كتاب وشعراء

سكون الكوكب الذي فيّ…..بقلم مريم أبو زيد

في لحظةٍ غير درامية، أدركت أن التعب لا ينبع من كثرة الألم، بل من ثقل الانتماء إلى عوالم لا تشبهنا. كنتُ حاضرةً في كل شيء، حتى لم يَبقَ مني شيء.
وفي مساء هادئ، أغلقت العالم برفق. لم يكن ذلك هروبًا ولا استسلامًا، بل كان نداء حاجة عميقة. احتجتُ إلى عزلة تُشبه غرفةً بلا نوافذ، لا خوفًا من النور، بل رغبةً في رؤية ما في الأعماق بوضوحٍ تام. هناك، بدأت أسترد طاقتي بهدوء، كما تستعيد الأرض عافيتها بعد عاصفةٍ طويلة.
في عزلتي، اكتشفت أنني أسكن كوكبًا خاصًا، لا تصل إليه الخرائط، ولا تخترقه الأصوات العابرة. كوكبًا لا يُقاس فيه الزمن، ولا يُطلَب فيه تفسير للشعور. كنت وحدي، لكنني لم أشعر بالوحدة أبدًا.
رسمتُ أحلامي بريشة فنانٍ لم يبرح مكانه، لكنه عبر العوالم بخياله. كل حلمٍ صار نافذة، وكل فكرةٍ صارت طريقًا، وكل صمتٍ صار فسحة أتنفس فيها دون خوف من الكسر. هنا فهمت أن الرحلة الحقيقية لا تبدأ من حقيبة السفر، بل من شجاعة الجلوس مع الذات، طويلًا.
لم تكن العزلة هروبًا من الحياة، بل محادثة صامتة معها. سألتني الحياة: ماذا تريدين؟ ولم تقاطعني هذه المرة. أجبت بصدق عارٍ، من دون أقنعة أو تبريرات. وعندما انتهى الحوار، شعرتُ أن حملاً ثقيلًا قد انزاح عن روحي.
عدتُ إلى العالم كمسافرٍ عاد من رحلة لم يلتقط فيها صورًا، لكنه عاد أخفّ. توقفت عن البحث عن الضجيج، وعن تبرير الانسحاب. فقد تركتُ في ذلك الكوكب الخفي كل ما استنزف روحي، ولم أحمل معي عند العودة سوى ما يشبهني…
نفسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى