طفلة تكتشف الكلام معلقا في الهواء قراءة في المجموعة الشعرية (تعال لأؤذيك) للشاعرة نسرين المسعودي… بقلم الهادي عرجون

عندما تقف الشاعرة نسرين المسعودي على نهر الشعر، كشجرة محرمة على ركح الحياة، توغل في الصمت، تطل على ما تريد، لترصع ألوان الغياب، وقد حملت البحر مكسورا فوق ظهرها لتوقع نهايات الانتظار، كطفلة تكتشف الكلام معلقا في الهواء، حين زرعت أغراض طفولتها وصباها وقبلاتها المتناثرة بين الشرفات، وهي تراقص المعنى تحاول التشبث بالقصائد المنسابة كحرير ستائر شرفتها، وهي تعيد بناء شرفة الحلم لتحتمي من تفاصيل الحياة الصغيرة جدا في القصيدة حين تحدثنا عن تفاصيل يومها الدقيقة وقد تركت أفكارها جانبا وغاصت في ثقل الكلمات التي لم تقلها ليكون الانعتاق نافذة تفتح الأفق للخيال وقد لبى النداء.
حين تطل علينا الشاعرة نسرين المسعودي بمجموعتها الشعرية (تعال لأؤذيك) التي تعكس من خلال صورة الغلاف الانعتاق والتحرر والإحساس والعبقرية وتفتح الأفق للخيال، بأسلوب سلس يتناغم فيه الإيقاع بالمعنى، مع اختيار اللفظ والمعجم اللغوي والصورة الشعرية المكثفة لتفتح أفق الخيال، رغم مسحة الحزن التي بدت من خلال بعض عناوين بعض النصوص قبل أن نغوص في المحتوى وكوامن المجموعة الشعرية الصادرة عن دار إفريقية للنشر والتوزيع تونس سنة 2025 على مساحة 128 صفحة من الحجم المتوسط ضمت بين جوانحها 03 قصائد نثرية مطولة طبعت عليها شاعرتنا أحزانها، ليغدو حزن القصيدة وأمل الشاعرة في الحياة جليا فيها رغم مسحة الحزن لتنحت بأسلوبها حديقة للشعر التي تزينها الأشجار وتبتسم للأطفال وقد همس البحر بالأمل والحلم ليولد من رحمها (تعال لأؤذيك).
وهو عتبة نصية لها دلالاتها باعتباره بوابة العبور إلى متن النصوص، ومسار بناء جغرافية الدخول إلى تفاصيلها وقراءة معانيها، فالعنوان لا ينطق عن الهوى بل يأت لإثبات شيء واقع في نفسية الشاعرة المسافرة من مكانها الثابت إلى ذكرياتها المتنقلة من زمن إلى آخر، وهي تجالس ظل الطفل الكامن فيها، حين تحدثنا عن تفاصيلها الصغيرة، لتغوص في ندوب ذاكرتها وقد جمعت ما تقاطر من شهد نصوصها وما تساقط من معاني كلماتها ليولد النص ويزهر بين كفيها كائن لا مرئي. وقد أضاءت الأفق بقناديل النصوص وبعقيدة الكتابة لتنثر الحياة على أهداب القصائد التي تحفظ مسارات القلوب.
نصوص كتبت بحرفية شاعرة ترسم بكلماتها خطوط الفرح والألم والإنعزال، وقد بحثت عن ملامحها الحزينة في كفوف العابرين وقد استعملت بسيط اللفظ، ثري المعاني حين تخيط من الكلمات مع دقة قلب وتمتمات طفل وحفيف أوراق الشجر نصوصا تزدحم فيها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والطبيعة بالجمال، حين تقول:
” لا شيء تفعله حديقة
بماء قليل.
يدي الآن تحفر في زجاج
وكأسنا حزينة على الشفاه
أتنفس جرح أصابعي
أبصر وجهك قطرات ماء تونشوش جذعا أخض،
فتهدأ روحي.” (ص25).
* توظيف الرموز الطبيعية:
ففي البداية يمكن الإشارة إلى أن الشعر العربي منذ القديم قد انعكست على صوره الفنية الرموز الطبيعية بما فيها من نبات وحيوان ليأخذ أبعادا سياسية وفكرية وجمالية إلى اليوم حيث تتشابك لبناء عوالم شعرية مختلفة من خلال إستحضار الرموز الطبيعية، وتجعل منها وسيلة لانتقاد الواقع والتعبير عن أفكار وآراء أو لتبيين قيمة جمالية.
” عدني بقلب رابض
تحت شمس ومطر
أن تحبني كثيرا
في مواسم حرث وحصاد
وقحط وطوفان
من أجل أرض صغيرة
تستعيد قوتك وسمك جلدك
تملأ كفي ببذور طرية
وحزم من الحبق والنعناع” (ص111).
حيث يرتكز التكرار عند الشاعرة نسرين المسعودي على معجم الطبيعة وخاصة على ثيمة الشجرة، وتوظيف وجودها ورمزيتها وإحالتها في مختلف زوايا النظر، ومختلف المضامين الإنسانية كما توظف ظواهر فنّية متعدّدة وصولاً إلى صياغة شعريّة تشكّل صوتاً منفرداً، وتجربة ترسم الصورة الشعرية، والإيقاع وبراعة الاستهلال والخاتمة وانتقاء المعجم اللّفظي لتأسيس رسائل تعبيرية مضمونة الوصول.
” نساء في
يغين بصوت واحد
تتحد المسافات فينا
غابات وخيبات،
شجر كثيف
يطوق جراحنا
فتنساب أضلعنا
أنهارا وواحات” (ص26).
فلم يكن توظيف الشجرة مجرد وصف عادي، وبذلك حقّقت الشاعرة انزياحاً دلالياً في الخروج من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ومن التوصيف إلى الترميز، ومن الواقع إلى المتخيّل الرمزي، حيث تتّخذ من الشجرة معاني وتجلّيات رمزية وواقعية ممّا يجعل خطابها الشعري ينفتح على طاقة التأويل وتعدّد المعنى، وقد اقترنت الشجرة بالمرأة التي تنطوي على رؤية مغايرة ومختلفة، وتقديم صورة خارجة عن المألوف لتشكيل البعد الرمزي والتأويلي (للشجرة)، بوصفها المظهر أو العلامة الدالّة على الحياة، وازداد المعنى جمالاً ودلالة بوجود الإشارة إلى اللّون الأخضر، وهو الدال الآخر المعبّر عن وجود الشجر كونه يجسّد وجود الحياة.
” بلا فائدة
خلقت
لأكون (الأخضر)،
الأخضر
النابت في بياضها العليل” (ص77).
كما أنّ هذا الاقتران بين الشجرة والمرأة يمنح الدلالة عمقاً ويجعل الكون حاضنة لخضرة المكان والجمال، ومعانيه، كون الشجرة هي الايقونة للجمال في الوجود الكوني، واقتران المرأة بالشجرة يجسّد البعد الكوني لهذا التلازم. من خلال تدفّق عاطفي وإشارات ودلالات تكشف عن قلق المرأة.
” أريد أن أستيقظ…
الساعة الربعة صباحا
الشمس قادمة،
أحاول للمرة الأخيرةى أن يكون لي حظ.
ضوء من تحت الستائر …
أصل مرة واحدة قبل أن تبكي امرأة
وتقطع الفأس شجرة” (ص29).
فالشاعرة تمتلك القدرة على إستحضار الطبيعة وتأثيث نصوصها بصور تستثمر من خلالها ملامح البيئة وعناصرها ومظاهرها وموجوداتها، وهو ما حول استعمالها لمعجم الطبيعة إلى طاقة للتعبير عن الأفكار والهواجس ومنحه دلالات خاصة، استجابت للكوامن النفسية ولأحلام الطفولة المختزنة.
” الطفلة التي كانت تبكي، صارت بابا نحاسيا حزينا
لا تنتظر أحدا.
صارت ربة بيت، تلاعب خفية دمى طفلتها،
وتبكي…
الوحشة المعتمة التي في ضفائرها،
شققت شيبتها في الضوء” (ص11).
وهذا يعكس تلك التأملات والأفكار والذكريات التي تستقيها من مرحلة الطفولة حيث الجمال والنقاء والصور المحفورة في الذاكرة، والتي تظهر من طفولة راسخة في الذاكرة عن طريق استدعاء عالم الطفولة الخصب، والتي تعكس قدرة فنيّة للتوغل في المكان، ووصف تفاصيله والانفتاح على معانٍ ورؤى متعددة تمثّل ذاكرة الإنفعال بالمكان، والتي تعبر عن الذات الشاعرة.
حيث يتميز النص بالحركة من خلال تكرار ثيمة (البحر) الموحش، والذي يرمز إلى الغموض والأسرار، والحياة وتجددها من خلال حركة أمواجه بالاضافة إلى الاضطرابات والتقلبات عند هيجانه، بالإضافة إلى أن البحر يرمز للشوق والحنين والأمل، عبر تدفّق الصور التي تعكس تداعيات وصخب البحر، إلى النهر وجريانه حين يرتبط النهر بالذاكرة المنسابة عبر لغة وصور متواترة وجميلة حين يرمز للحياة والخصوبة والنماء،على الرغم من مسحة الأسى والوجع، والحزن والقلق الوجودي.
” أحمل إليك البحر مكسورا،
فوق ظهري
البحر الذي لم نغتسل فيه إلى الآن معا،
تاركة الشوارع تحرس نعلي في البار” (ص63).
بالاضافة إلى ذكر لفظة (المطر) و(النهر)، بتفسيرات وتأويلات عديدة لدى النقّاد والمفسرين، فبعضهم وجد فيها الثورة، والبعض الآخر اعتبرها رمزًا للانبعاث والخصب والنماء. ومن خلال هذا فالماء عنوان الحياة والباعث على الجمال وركيزة الطبيعة الأساسية ، لذلك كان من البدهي أن نجد ذكر الماء في نصوصها، فنصوصها تنبع حياة وعذوبة.
” النهر الذي يخلفه مطر
كان في الأصل
قطرة،
فكيف تؤمن بأنك قليل
قليل” (ص22).
كما لاحظنا تكرار ثيمة الحجر والتي لها عدة دلالات في الشعر العربي و العالمي من خلال رمزيتها ولكن الشاعرة هنا استخدمتها للتعبير عن القوة و الثبات والارتباط بالمكان.
وعلى الرغم من شعورها بالقلق فقد حرصت على أن تعبر عن إحساسها الفني باستعمالها لبساطة المعنى واقتناص فني للصورة وللمشهد الشعري المراد التعبير عنه فهي من خلال تعبيرها عن حزنها الذاتي تتطرق إلى مواضيع تهم هموم الإنسان. ليفيض الشعر، الذي يسبح في روح قلقة تفتح قلبها وترفعه ليسقط توت الكلمات، ويسقط توت الشعر بين كفيها ليكون الحب.
” يداعب خصلات شعري
أتراه يشير إلى وجع في رأسي
آه
كيف يصير الاشتياق بثورا عنيفة تكسو الوجه
وكيف يحق للمحب أن يغمض عينيه
وينتظر البكاء؟” (ص112).
كما أن هذا التكرار مرده الحالات الوجودية التي تكابدها الشاعرة من وجع وقلق وحزن وألم. للهروب من الواقع، عبر النص الشعري الذي يلقي فيه ذلك الوجع لتعبر عن الولادة والرغبة في الحياة.
” ثمة امرأة تبكي
أسمع ذاك الأنين
من أصابعي” (ص28).
* توظيف الألوان:
إن حضور الألوان في الحياة الإنسانية أمر بالغ الأهمية، ذلك أنها تُضفي على الأشياء جمالا وسحرا أخّاذًا، وقد طالت الألوان كل مناحي حياتنا المعاصرة، وتحولت إلى وسيلة إغراء وإثارة، وإلى لغة مُوحية تعبر عن نفسها بما تحمله من رموز، ومدلولات تتباين باختلاف الألوان وتأثيراتها، ولقد ذكر اللون وتم توظيفة رمزيا منذ القدم , ولم يكن الأمر محصورا في خزائن الشعر , أو وليد الخطاب الشعري , بل كان للون دلالة رمزية في لغة العرب تجسدت بلاغتهم بما تحويه من استعارة ومجاز وتشبيه.
وما يعنينا في تجربة نسرين المسعودي هو الحديث عن دلالة اللون وعلاقته بالنص الشعري, ذلك ان اللون يعدّ من أهم المظاهر والعناصر التي تشكل الصورة الشعرية والأدبية بسبب ارتباطه الوثيق بجميع مجالات الحياة ومظاهر الكون. فاللون يمتلك في التصوير طاقات تعبيرية ورمزية، تتفوق إحداهما علي الأخري أحيانا ، بينما يصبح في القصيدة بنية صوتية تخضع لعلم اللسانيات مع احتفاظه بالطاقات التعبيرية والرمزية.
ومن الشعراء من تأثر بهذه الطبيعة, فاستلهم منها صورا شعرية مرتكزة على أهم ميزات الطبيعة ألا وهو اللون؛ فاللون من العوامل التي تلعب دورا أساسيا في خلق الصور الجميلة .
أمّا الألوان التي وظّفها الشعراء , وارتكزوا عليها كثيرا في أشعارهم , فهي الألوان التي عدّت أساسية في لغة العرب , وهي : الأبيض , والأسود , والأحمر , والأصفر , والأخضر , وهي ألوان اعتمدتها أغلب الدراسات في الحقول المعرفية وخاصة في الشعر .
وهذا ما يحيلنا على التماهي بين ألوان المفردات التي استعملتها و التي تعبر عن الحركية في نصوصها مما يجعل نصها لا يخلو من توظيف اللون بطريقة أو بأخرى لترسم ملامح اللون فرحا كان أو حزنا خاصة وأن الألوان في مجملها مرتبطة بالمشاعر والأحاسيس وبالتالي إحالتنا على أبعاد نفسية ودينية واجتماعية بالإضافة إلى ذلك أبعاد بيئية وسياسية للتعبير عن لغة يومية بطريقة شعرية امتزج فيها اللون بالشعر.
حيث نرى الشاعرة نسرين المسعودي قد لونت بريشتها أنساق القصائد باللون الأبيض والأخضر والتي أضفت التوهج على صور النص فاصطبغت بالعطاء، ولأن الأبيض ولادة حلم جديد والأخضر أنبات روح وبذرة نماء بسيمائية تفاؤل في الكثير من المواضع، والتي استخدمت فحواها كرموز لإيحاءات عميقة متوارية خلف صفة الألوان.
ويظهر ذلك من خلال إكثارها من ذكر اللون الأبيض بدرجة أولى الذي تكرر 21 مرة، فالأبيض رمز الصفاء والعفة، والنظافة، والطهارة، والوضوح، كما في قولها:
” في ظلمة بيضاء،
نتراى.
ألعنك
تلطخ قدمي بألوان،
وبإصبعين، ترسم أسفل كعبي مركبا مقلوبا على شاطئ أبيض،
فنضحك” (ص90).
ثم اعتمدت في مرحلة ثانية اللون الأخضر الذي يمثل صورة الأعماق والمصير، ثم تأتي بقية الألوان بصفة قليلة وفي عدد من المواضع، كالأسود لون التشاؤم وكل ما هو سيئ، ثم يأتي الأزرق: لون الفراغ والنقاء، وهو أعمق الألوان. ليأتي بعدها اللون الأحمر بقوته، وقدرته، ولمعانه، هو لون الدم والنار وهو لون الروح والشهوة والقلب.
فالشاعرة من خلال استخدامها الألوان واستدراجها في نصوصها غايته تحقيق أبعاد ورؤيا لدى القارىء من أفكار وأحاسيس حين احتلت الألوان حيزا هاما في الكثير من نصوص المجموعة الشعرية (تعال لأؤذيك)، خاصة وأن ألفاظ الألوان لها أهمية في علم الدلالة من أجل المقارنات اللغوية وإنعكاساتها على النور والظلمة في شعرها.
بينما اعتمدت الألوان الثانوية كاللون الذهبي واللون البنفسجي الذي يعتبر لون الاعتدال والسر ويعتبر رمزا للوضوح ونفاذ البصيرة والعمل العاقل، والشغف والذكاء والحب والحكمة كما يمثل التوازن بين الارض والسماء.
ولكل لون من هذه الألوان له دلالته الخاصة عند الشاعرة نسرين المسعودي التي أسعفتها موهبتها أن تتذوق معنى الألوان, وتفسح آفاق الخيال لديها, وبواطن النفس المليئة بالأسرار والطافحة بالأحلام, إنها ترسم نصوصها بالمشاعر والعواطف كما يرسم الرسام مناظر الطبيعة الخلابة.
أمّا بخصوص الألوان المعتمدة فالنصّ الشعري خصوصا والشعر الأدبي عموما يرتكز على مقوّمات كاللفظ بدلالاته العامة والخاصّة والإيقاع بموسيقاه والأسلوب الفني المعتمد من طرف الشاعرة الذي يتماهى بالألوان يقول الأديب والشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح: ” إن دفء اللون كدفء الإيقاع كدفء المعنى كلها تخلق في العمل الفني طاقة جديدة ذات مدلولات متغيرة تصبها في قالب جدي”.
فمن خلال هذا الشاهد نلاحظ أن الشاعرة تستخدم الألوان وتستدرجها للتعبير عن حالات نفسية وآراء وأفكار سواء كانت صريحة أو مخفية بصفة رمزية لتحقق بذلك أبعاد ما ترمي بثه في القارئ من أفكار وأحاسيس حين احتلت الألوان حيزا هاما في مجموعتها وما تحمله من دلالات.
فالشاعرة تنقل لنا الواقع اليومي في أشكال فنية مختلفة وتعتمد على الألوان التي لها صلة بالحواس تخاطب كل منها المتلقي، فالشعر هو عموما هو محاكاة تهدف إلى نقل العالم والتأثير في المتلقي واحساسه وانفعالاته.
وهذا ما يحيلنا على التماهي بين الألوان التي استعملها والتي تعبر عن الحركية مما يجعل نصها لا يخلو من توظيف اللون بطريقة أو بأخرى لترسم ملامح اللون فرحا كان أو حزن خاصة وأن الألوان في مجملها مرتبطة بمشاعر وأحاسيس الشاعرة وبالتالي إحالتنا على أبعاد نفسية ودينية واجتماعية بالإضافة إلى ذلك أبعاد بيئية وسياسية للتعبير عن لغة يومية بطريقة شعرية امتزج فيها اللون بالشعر والرسم بالكلمات.
كما نلاحظ أن الشاعرة في زخرف نصها اعتمدت على تكرار العبارات والألفاظ التي تعبر عن قلق وجودي ونفسي حزين والتي تعبر عن الحزن والقلق النفسي كـ: (الحزن، الألم ، الوجع، الدمع، البكاء، الجرح…) والتي تظهر من خلال تكرار ثيمة (الحزن) أكثر من 14 مرة و ثيمة (البكاء) أكثر من 19 مرة في أكثر من موضع معتمدة على جنسنة اللفظ وإعطائه روحا إنسانية وأوصاف أخرى حسية كما في قولها:
” الطفلة التي كانت تبكي، صارت بابا نحاسيا حزينا
لا تنتظر أحدا.
صارت ربة بيت، تلاعب خفية دمى طفلتها، وتبكي” (ص11)
لتزدحم فيها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والطبيعة بالجمال فتكون النصوص أقرب إلى آهات منها إلى نغمات انعكست على كامل صفحات الديوان، فمن الصفحات الاولى لقصائدها يتحرك فيها ذلك الخيط الفاصل بين النص ونفسيتها المضطربة لتتجلى ثنائية الحزن والوجع لتحملنا وتسافر بنا نحو رؤية ونفس قلقة تحمل بين جوانحها رائحة (الجرح) و(الوجع) التي تكررت بدورها أكثر من مرة بمختلف إشتقاقاتها اللفظية (المواجع/ أوجعوني/ توجعت)، وقد سردت لنا الشاعرة إحساسها وقلقها حين عبرت عن حزنها بطريقة فيها الكثير من الوجع حتى أنها باتت تسرد لنا أقساط الوجع، كجرح غائر في فلك كون شعري فسيح فجاء في سلاسة وانسيابية متقنة. من خلال قولها:
” نساء في
يغنين بصوت واحد
تتحد المسافات فينا
غابات وخيبات،
شجر كثيف يطوق جراحنا
فتنساب أضلعنا
أنهار وواحات.” (ص26).
وفي الختام يمكن القول أن المجموعة الشعرية (تعال لأؤذيك) لا تخلو من توظيف اللون بطريقة أو بأخرى لترسم ملامح اللون فرحا كان أو حزنا خاصة وأن الشاعرة نسرين المسعودي تزدحم في نصوصها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والطبيعة بالجمال فتكون النصوص أقرب إلى آهات منها إلى نغمات حين تظللنا الشاعرة بسحابة سوداء قاتمة من القلق والحزن انعكست على كامل صفحات الديوان، كما أن الشاعرة انتقلت من التعبير عن همومها ومشاعرها إلى التعبير عن هموم بنات جنسها ليكون الانعتاق والتحرر من سلطة المجتمع.