نظرية العامل ونظرية الصفر….. بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

من بلاغة الحذف إلى بنية العقل
ليست اللغة ما يُنطق فحسب، بل ما يُفترض، وما يُقدَّر، وما يسكن في عمق الذهن قبل أن يطفو على سطح الصوت. ومن هنا يلتقي التراث النحوي العربي، بنظرية العامل والحذف والتقدير، مع اللسانيات التوليدية الحديثة، بمفهوم “العنصر الصفري” والنحو الكلي، لا بوصفهما طريقين متصادمين، بل مسارين ينظران إلى الظاهرة الواحدة من نافذتين مختلفتين: نافذة النص، ونافذة العقل.
في التراث العربي، تقوم نظرية العامل على أن الإعراب أثرٌ سببي، لا زينة لفظية. فالكلمة لا تُرفع أو تُنصب اعتباطًا، بل لأن قوة ما تعمل فيها: فعل، أو حرف، أو معنى. هذا التصور يجعل الجملة كائنًا حيًّا، تتحرك أجزاؤه بقوانين داخلية، فيكون العامل بمنزلة القلب الذي يضخ الحركة في أوصال التركيب. ومع هذا التصور، أدرك النحاة أن كثيرًا من عناصر الجملة قد يغيب لفظًا، ويبقى أثره معنًى ووظيفة، ففتحوا باب الحذف والتقدير، وعدّوه من سنن العربية وأسرار فصاحتها.
قالوا: يحذف استخفافًا، أو لدلالة السياق، أو طلبًا للإيجاز. وفي البلاغة صار هذا الحذف ضربًا من ضروب الجمال، يسمّى “الإيجاز بالحذف”، حيث تكون البلاغة في ما سُكِت عنه كما هي في ما قيل. وحين يقول النحوي: “والتقدير كذا”، فهو يعيد إلى البنية ما غاب عن الصوت، ويؤكد أن اللغة ليست ما نسمعه فقط، بل ما نفهمه أيضًا.
وحين ننتقل إلى النحو الكلي عند تشومسكي، نجد أننا أمام المنظور نفسه في الجوهر، وإن اختلف في المدخل. فالتوليديون لا ينطلقون من النص ليشرحوه، بل من العقل ليبنوا نموذجًا لتوليد النص. عندهم بنية عميقة ذهنية، تحتوي عناصر كاملة: فاعل، ومفعول، وضمير، ومحدد، سواء ظهرت في البنية السطحية أم لم تظهر. فإذا لم تُنطق، قيل: هذا عنصر صفري، أو مورفيم صفري، حاضر في التمثيل العقلي، غائب في التمثيل الصوتي.
وهنا يتبدّى أن الخلاف ليس في “ما يحدث في اللغة”، بل في “كيف ننظر إليه”. العربي القديم يقول: هذا محذوف، والتقدير كذا، لأن السياق يقتضيه. والتوليدي يقول: هذا عنصر صفري في البنية العميقة، حُذف في البنية السطحية وفق قواعد تحويلية. الظاهرة واحدة: غياب لفظ وحضور وظيفة. لكن الزاوية مختلفة: الأولى تبدأ من الكلام لتفسّره، والثانية تبدأ من العقل لتولّده.
في التراث، الحذف ظاهرة تفسيرية أو بلاغية: كيف نفهم هذا التركيب الناقص ظاهرًا؟ أما في النحو الكلي، فالصفر اللغوي مفهوم بنيوي تجريدي: كيف ينتج العقل هذه الجملة أصلًا، ولماذا يسمح ببقاء عناصر غير منطوقة؟ التراث يسأل: كيف نفهم النص؟ والنحو الكلي يسأل: كيف يُنتج العقل النص قبل أن نفهمه؟
ومن هنا يخطئ من يظن أن في نظرية الصفر “لا جديد”. من حيث الظاهرة، نعم: العرب عرفوا الحذف، والتقدير، والإيجاز بالحذف، بدقة مذهلة. لكن الجِدّة ليست في الحذف ذاته، بل في نقله من كونه أسلوبًا لغويًا أو بلاغيًا إلى كونه مبدأً ذهنيًا كونيًا، يدخل في نموذج رياضي-عقلي لتوليد اللغة، ويُعمَّم على كل لغات البشر بوصفه جزءًا من الفطرة اللغوية.
ولذلك فليس من العدل العلمي أن يُقال إن تشومسكي “لم يطلع على علم المعاني”. فهو لم يكن بصدد دراسة البلاغة أصلًا، ولا كان مشروعه قراءة التراث العربي أو غيره، بل كان يعمل داخل أسئلة فلسفة العقل، ونقد السلوكية، وبناء نظرية في الفطرة اللغوية. فعدم مروره بعلم المعاني ليس نقصًا في مشروعه، لأنه لم يكن يتحرك في حقله أصلًا.
وهكذا يمكن أن نقول بدقة: ما يسميه النحو الكلي “العنصر الصفري” له نظير قوي في التراث العربي باسم الحذف والتقدير والإيجاز بالحذف. لكن ليس كل اختلاف في المصطلح تلاعبًا، وليس كل تشابه في الظاهرة دليلًا على انعدام الجِدّة. الجِدّة ليست في الحذف، بل في سؤال اللغة ذاته: أهي صنعة بلاغية تتشكل في الاستعمال؟ أم نظام عقلي فطري يولّد الكلام قبل أن ننطقه؟
في نظرية العامل، تتجلى اللغة كنظام علاقات سببية بين ألفاظ. وفي نظرية الصفر، تتجلى اللغة كنظام تمثيلات ذهنية قد تظهر وقد تُحذف. واللقاء بينهما ليس صراعًا، بل حوار: التراث يعلّمنا كيف نفهم ما قيل، واللسانيات الحديثة تحاول أن تفهم كيف قيل أصلًا. وبين الفهم والتوليد، تظل اللغة أعظم من أن تُختزل في صوت، لأنها تسكن أولًا في العقل، ثم تفيض كلامًا.