الخلاف بين أبي المهاجر دينار وعقبة بن نافع: قراءة تاريخية بعيدًا عن العاطفة⚔️⚔️

يُصوَّر الخلاف بين أبي المهاجر دينار وعقبة بن نافع عند بعض الكُتّاب والناشطين على أنه خلاف أخلاقي أو دعوي حول “طريقة التعامل مع البربر” أو “نشر الإسلام”، لكن هذه القراءة عاطفية ومتأخرة، ولا تستند إلى أي معطى تاريخي معتبر.
في الواقع، لم يكن هذا السبب مطروحًا أصلًا في الخلاف بين القائدين، بل إن جذوره تعود إلى الفسطاط وإلى صراع إداري–عسكري داخل الدولة الأموية نفسها.
فبعد أن ولّى الخليفة معاوية بن أبي سفيان مسلمة بن مخلد الأنصاري على مصر، سعى هذا الوالي إلى استعادة الصلاحيات التي كانت سابقًا بيد عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي سرح، والتي تشمل الإشراف على شؤون إفريقية. وكان تحقيق هذا الهدف يقتضي تقليص نفوذ عقبة بن نافع، الذي ظلّ الشخصية العسكرية الأقوى في إفريقية منذ سنوات.
ولأن عقبة كان يرى نفسه ندًّا لمسلمة بن مخلد، كان من الصعب إخضاعه إداريًا، فكان الحل هو تعيين رجلٍ موالٍ تمامًا للوالي الجديد، وهو مولاه: أبو المهاجر دينار. ومن هنا بدأ الخلاف، لا بسبب “سياسة دعوية” ولا “رحمة بالبربر”، بل بسبب إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة العسكرية الأموية.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن موقف عقبة لم يكن بلا أساس؛ فبعد تأسيس القيروان تغيّرت طبيعة الوجود الإسلامي في إفريقية، ولم تعد الظروف هي نفسها التي كانت في زمن عمرو بن العاص أو ابن أبي سرح. ويبدو أن الخليفة معاوية نفسه أدرك ذلك، بدليل وعده بإعادة عقبة إلى ولايته، غير أن وفاته حالت دون تنفيذ القرار، حتى أعاده يزيد بن معاوية لاحقًا.
كما أن سياسة مسلمة بن مخلد كانت تقوم على إبطاء الفتح وربط إفريقية إداريًا بالفسطاط، وهو ما يعني:
🔹تأخر القرارات العسكرية
🔹تحويل جزء كبير من الضرائب والغنائم إلى خزينة مصر
🔹إضعاف الجيوش المرابطة في إفريقية من حيث التموين والاستعداد
ولا يُستبعد أن تكون هذه السياسة أحد العوامل التي هيأت لتمرد كسيلة لاحقًا.
أما القصص الشائعة حول إسلام كسيلة، أو صداقته لأبي المهاجر، فهي غير موجودة في الروايات المبكرة عند ابن عبد الحكم أو الواقدي، وإنما إضافات متأخرة ذات طابع قصصي، كما هو حال كثير من الروايات الأسطورية المرتبطة بفتح المغرب.
ومن المهم هنا التفريق بين أبي المهاجر دينار القائد العسكري، وبين حفيده إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، الذي ولاه عمر بن عبد العزيز على القيروان لاحقًا، واهتم فعلًا بنشر الإسلام بين البربر بعد استقرار الأوضاع العسكرية. ويبدو أن الرواة المتأخرين خلطوا بين الشخصيتين، وأسقطوا سياسات الحفيد على الجد.
📌والخلاصة أن: أبا المهاجر لم يكن داعيةً مختلفًا عن عقبة في المنهج،
ولا كان أكثر “لينًا” مع البربر كما يُشاع،
بل كان قائدًا عسكريًا تحكمه نفس ضرورات الصراع السياسي والعسكري في تلك المرحلة.
قراءة التاريخ بعين الإدارة والسياسة، لا بعين العاطفة، وحدها ما يقرّبنا من الحقيقة.