رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :أحفاد خلف الأحمر

لماذا يتساهل المجتمع مع النصاب الادبي ولا يتساهل مع النصاب السياسي؟ هناك أسباب كثيرة وكل مجتمع ينظر للقضية من زاوية خاصة. في مجتمع تعتبر جريمة احتيال وفي آخر تعتبر نمطاً سلوكياً شائعاً ونظرة متخلفة في ان التلاعب بالخيال والضمير والوعي ليس على درجة من الخطورة وكذلك ذهنية النفاق. هذا النوع من الاحتيال يحتاج الى بيئة داعمة او صامتة أو من النوع نفسه بلا تقاليد أدبية وثقافية.
بعض المجتمعات تعتبر هذا الاحتيال جزءاً من الواقع المشوه وان الأنا المزيفة ليست موجودة في عالم الأدب بل في أمكنة أخرى وفي العلاقات الاجتماعية لكنه تبرير لا أكثر.
إن بناء قناع في الأدب وفي السياسة وفي الحياة اليومية يقود الى نتائج وأضرار فادحة أحياناً. يخضع السياسي للمساءلة في حالة الاحتيال بموجب قانون وعقد اجتماعي وقانوني لكن في بعض الدول لا يوجد مثل هذا العقد والمساءلة القانونية بل بعض الدول تعتبر الاحتيال الثقافي والفكري والادبي ترفاً لا يستحق النظر مع ان تزوير الضمير أخطر من تزوير العملة.
هناك طرق في الاحتيال الثقافي مثل بناء هوية مزورة وتاريخ ملفق واختراع مصادر وحتى تأليف كتب عن شخصيات أدبية متوفاة لتأكيد الذات وتلفيق أقوالها ومواقفها ونفخ في شخصية المنتحل الذي لم يكن في الحقيقة كما يدعي ويضع نفسه في منزلة كبيرة. بسهولة يمكن اكتشاف ذلك من خلال التكرار الممل في تعظيم الذات كما لو انها سيرة المنتحل وليس سيرة الآخر.
تعتبر قصة فورست كارتر ” الرجل ذو العينين الزرقاوين” أشهر قصة احتيال أدبي عندما إدعى كارتر إنها سيرته كطفل هندي أحمر وتحولت الى فيلم لكن بعد وفاته ظهر انها قصة مزيفة وانه شخص عنصري في جماعة كو كلوكس كلان وهي منظمة عنصرية وسبب الكشف صدمة لان القصة كان ينظر اليها على انها ضد العنصرية. من قصص الاحتيال مامكا ميمتشي التي ادعت انها طفلة يهودية مشت الاف الاميال وتربت مع قطيع من الذئاب وظهر ان القصة ملفقة بالكامل ، كما ان كتاب” شظايا: ذكريات طفولة” لــــــــــــ بينجامين ويلش عن معاناته في معسكرات النازية وحصل على جوائز عالمية ثم ظهر ان اسمه الحقيقي هو برونو دوزيكر ولم يكن في معسكرات الاعتقال.
هناك عدة أشكال للاحتيال مثل تزوير حياة شخصية أدبية أو اجتماعية مشهورة كما ادعى كليفورد إيرفينغ عندما وضع كتاباً عن سيرة شخصية لرجل الأعمال الغامض والملياردير هوارد هيوز الذي قال انها لقاءات خاصة مستغلاً عزلة هوارد الذي علم بالأمر وقدم دعوى ضده سجن إيرفينغ على اثرها.
رواية “حارسة الظلال” للكاتب “محمد ربيع المرشحة للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر العربية) عام 2018، ظهر انها انتحال كامل للحبكة والأحداث والشخصيات الرئيسية من رواية ” البرتقالة الميكانيكية” للروائي الانكليزي انتوني بورغيس : في مجال انتحال الحبكة والبناء الروائي والشخصيات هو انتحال معروف في الرواية العربية كسرقة الهيكل العام أو المخطط الأساسي Plot Skeleton لعمل روائي ومحو الاثر وهناك الانتحال الهيكلي بتغيير الاماكن والاسماء واستنساخ البناء السردي الجاهز وتجربة كاملة كاستعمال مهندس عثر على مخطط هندسي لعمارة يغير فقط مكان النوافذ والشرفات والاحتفاظ بالهيكل الاساسي . أدق مثال عن هذا الانتحال أو السرقة هو رواية ” ترمي بشرر” للروائي السعودي عبده خال التي فازت بجائزة البوكر عام 2010 استنساخ حرفي لرواية كافكا” القصر” وتترجم” القلعة”.
ما يحدث في الرواية يحدث في الشعر وفي باقي الفنون حتى الموسيقى.
هناك أنواع من الاحتيال الثقافي كالادعاء بالحصول على جوائز أدبية وهمية وتزوير السيرة الذاتية أو النسب لخلفية دينية وعرقية من أجل الحصول على مكاسب أو مواقع أو نشر سيرة تاريخية لأشخاص كاذبة أو استغلال موتهم لوضعهم في مواجهة كتاب ومثقفين آخرين لخدمة غرض المنتحل مثل قال فلان الشاعر عن فلان الكاتب الخ.
القوانين الحديثة تعاقب على هذا النوع من التحايل والانتحال بوصفه جريمة خداع والعقاب حسب نوع الضرر كالتخفي خلف منظمة أدبية كبيرة محترمة على انه عضو فيها ـــــــــــــــــ كما فعلها نصاب عراقي تخرج من حملة محو الامية على انه عضو في اتحاد أدباء النرويج منذ حوالي عشرين سنة وحتى اليوم في مجتمع شديد الوضوح والشفافية ولم يعرف هذا النوع من الاحتيال مما اضطر اتحاد أدباء النرويج لنفي أية علاقة به واعتبار ذلك منافياً للأخلاق والقانون مع انتحالات اخرى كالادعاء بفوزه بجائزة عالمية للشعر وهمية لكن الغريب ان اتحاد أدباء العراق احتفل به مرتين في سابقة لم تحدث من قبل في اتحاد عريق واساءة للمؤسسين الاوائل.
استغل هشاشة البعض وحسن نية البعض الآخر وكونهم لا يعرفون ماذا يجري في الخارج وتمكن من اختراق نخبة أدبية وزرع قناعات وحكايات ملفقة وأثث لنفسه سيرة مزيفة وكتبت عنه صحيفة “المؤتمر” المعارضة عام 2000 في عددها 268 على الصفحة الاولى بالقول” عميل مخابرات متخصص بالتشهير بالكتاب الشرفاء” وظل اسمه في موقع استخبارات المعارضة حتى الاحتلال التسلسل الخامس وعندنا ملف وثائقي كامل ودامغ وجزء منه مقالاته التي كانت هتكاً لأعراض معارضي الدكتاتورية بلغة حثالات الحانات الرخيصة وبعضها رسائل تهديد سوقية الى هؤلاء بخط يده بلغة مهتوك سيرة متوفرة للنشر حتى تم استجوابه من البوليس النرويجي في ان الدخول الى بيوت الناس لا يجرؤ عليه ملك النرويج ومن الواضح انه معتاد على دخول بيوت الناس لانه مرة ثانية هدد كاتبا عراقيا بالدخول الى بيته ويفعل ما يفعل الخ ما لا يقال. هناك بيئة تقبّل لأمثال هذا المسخ ولو واجه ردعاً لتوقف لكن هناك التواطؤ الصامت الداعم.
المحتال الثقافي Cultural Imposter هو مفهوم أعمق وأكثر تعقيدًا من مجرد محتال فردي يستهدف شخصًا واحدًا. يستغل هذا النوع من الاحتيال نقاط الضعف والفجوات في فهم الثقافة أو التاريخ أو الهوية لـ: تزوير أو تحريف السرد الثقافي وتخريب التقاليد الادبية وادخال لغة سوقية الى عالم الادب من خبرته القذرة وتشويه حياة الافراد والمبادئ وهو شبكة معقدة من العقد الدفينة ومن التمثيل والاقنعة.
يخطئ من يتصور انه مشكلة شخصية خاصة وان هذه ظاهرة تتسع في جو عام مضطرب وانهيار المعايير العامة واجواء الغموض التي تسمح بتمرير هذه الحيل والاكاذيب .
بالاضافة الى العقاب القانوني يبقى الاهم عقاب الجمهور المستغفل لان هذا النوع من الاحتيال هو اساءة واهانة للجمهور واستعمال الادب والثقافة كوسيلة احتيال كما ان دور النقد الادبي مهم جدا في كشف هذه النماذج لانها ممارسة نقدية وأخلاقية في حماية آخر مساحات للحقيقة والجمال في عالم شوهته السياسة.
ـــــــــــــــــ خَلَفٍ اَلْأَحْمَرِ (115- نحو 180 هـ = 733- نحو 796 م اشتهر أنه كان ينحل الشعر، بمعنى يقول الشعر على طريقة القدماء ثم ينسب ما يقوله لهم مع حماد الراوية مما جعل طه حسين يؤلف كتاب” الشعر الجاهلي” عام 1926 قال ان الشعر المنسوب لشعراء الجاهلية الكبار منسوب لهم من قبل خلف الاحمر وحماد الراوية بما في ذلك المعلقات مما أثار ضجة وسحب من التداول لانه سيفتح الباب لمراجعة تاريخ أوسع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى