د.عاطف معتمد يكتب :هل وصل الفراعنة إلى السنغال؟

سأعترف لك عزيزي القارئ من أول كلمة أنني استغل اهتمامك بمباراة الغد بين مصر والسنغال لأحكي لك قصة مر عليها أكثر من 2500 سنة.
موجز القصة التي رواها الرحالة والمؤرخ اليوناني هيرودوت أن المصريين القدماء داروا حول أفريقيا ووصلوا إلى ما نعرفه اليوم بالسنغال وغرب القارة الأفريقية، قبل أن يقفلوا راجعين من ناحية المغرب إلى الساحل المتوسطي ثم إلى دلتا النيل.
حدث هذا في عهد الملك نيخاو (نيكاو) في حدود عام 600 قبل الميلاد.
ومصدر القصة التي سأوجزها هنا من مصدرين: موسوعة سليم حسن عن مصر القديمة، ومن كتاب صدر باللغة الروسية في موسكو قبل 25 سنة بعنوان “أعظم 100 كشف جغرافي”. والكتاب الأخير اعتمد بشكل أساسي على النصوص التي كبتها هيرودوت خلال رحلته إلى مصر.
كانت مصر – بعد فترة من التدهور – قد استعادت قوتها في عهد بسماتيك ثم في عهد ابنه نيخاو (نيكاو) وسعت إلى استرداد قدرتها الإقليمية ولا سيما في بلاد الشام والبحر الأحمر.
شرعت مصر في إكمال خطتها بتدشين قناة تربط النيل بالبحرين الأحمر والمتوسط، وهذه القناة هي الجد الشرعي القديم لما سيظهر في العصر الحديث باسم قناة السويس.
وصل هيرودوت مصر بعد 150 سنة من قصة نيخاو في الدوران حول أفريقيا وبعد أن اكتملت قناة وصل النيل بالبحرين الأحمر والمتوسط.
وجد هيرودوت أن هذه القناة تعمل بنشاط فكتب يقول “إن القناة من الطول بحيث تستغرق الرحلة عبرها أربعة أيام ومن الاتساع بحيث يمكن أن تمر إلى جوار بعضها البعض سفينتان كبيرتان”.
استعان الملك نيخاو بسفن مصرية وسفن فينيقية للقيام برحلة حول لوبيا (ليبيا) أي القارة الأفريقية.
المساهمة الفينيقية هنا بالغة الأهمية، وتعكس أن هدف مصر من تلك الرحلة كان يعني الاستفادة من مهارة الفينيقين في عقد صفقات تجارية.
يقول هيرودوت إن المصريين القدماء كان لديهم اعتقاد بأن ليبيا (أي إفريقيا) دائرية الشكل يحيط بها البحر المحيط من كل جانب عدا ذلك الجزء الذى تتصل فيه بآسيا (أرض سيناء).
وضع نيخاو مسار الرحلة للشركاء الفينيقين بالإبحار من البحر العربي (الاسم الذي يعطيه هيرودوت لخليج السويس) على أن تعود السفن من الغرب.
وفقا لهيرودوت فإن الفينيقيين اجتازوا البحر الإريتري (البحر الأحمر) وتوغلوا الى البحر الجنوبي من إفريقيا.
لم يأخذ الأسطول المصري الفينيقي معه مؤن الطعام والشراب بل كانوا ينزلون إلى الأرض الأفريقية القريبة من الساحل يزرعون الأرض أحيانا ويقايضون السكان بما لديهم من سلع في أحيان أخرى.
يقول هيرودوت إن هذه الرحلة استغرقت عامين وعبرت غرب أفريقيا ووصلت في العام الثالث إلى مضيق هرقل (جبل طارق) ومنه اتجهت شرقا إلى دلتا النيل وعادت إلى مصر”.
وفقا لكتاب المؤرخ الروسي – الذي يحلل نصوص هيرودوت – فإن الأسطول المصري حول أفريقيا كان يسير بمعدل 20 كم يوميا، ويتوقع أن يكون الأسطول قد اجتاز بسهولة إقليم خط الاستواء ثم استفاد من التيار المحيطي المتجه من جنوب القارة إلى غربها.
كانت نقطة الصعوبة الرئيسية هى العودة بحذاء الساحل الغربي لإفريقيا حيث عاكستهم الرياح الشمالية الشرقية.
يقول هيرودوت إنه لا يصدق ما رواه له المصريون من أن ” الملاحين خلال إبحارهم حول ليبيا رأوا الشمس تشرق من يمين رحلتهم”.
ويعود هذا التعجب من قبل هيرودوت إلى أنه لم يتخيل امتداد افريقيا إلى جنوب خط الاستواء، فلم يكن في زمنه وقتها خريطة لنصف الكرة الجنوبي.
وفى خريطة هيرودوت نفسه تمتد جنوب أفريقيا من الشرق للغرب وليس في رأس مدبب كالذي نعرفه اليوم، ومن ثم فان ما انتظره هيرودوت هو أن تشرق الشمس من وراء ظهورهم وليس من على يمينهم، بعد دورانهم حول القارة.
ولعل هذا التعجب الذي لا يصدقه هيرودوت هو أبلغ دليل على أن رحلة الفرعون نيخاو اكتشفت الدوران حول أفريقيا قبل أن يتوصل البرتغاليون إلى ذلك بعد نحو 2000 سنة .
يقول المؤرخ الروسي في تحليله لنصوص هيرودوت: “لم تكن رحلة الفرعون نيخاو أول رحلة تكتشف المحيط الجنوبي ونصف الكرة غير المعروف جنوب خط الاستواء فحسب، بل كانت أول رحلة معروف تاريخها بدقة (597-594 قبل الميلاد) أي أنها عادت إلى مصر في العام التالي لوفاة الفرعون نيخاو نفسه) بعد أن دارت حول القارة من شرقها إلى غربها.