سليمان بن عبد الملك

في أواخر أيام خلافة **الوليد بن عبد الملك**، كانت الرياح السياسية تعصف بعنف داخل أروقة الدولة الأموية. الوليد يهمس في أذن الحجاج الثقفي القاسي، يخطط لإزاحة أخيه **سليمان** من ولاية العهد، ونقل السلطة إلى ابنه. لكن المنية أسرعت الخطى، ففي منتصف جمادى الآخرة سنة ٩٦ هـ، سقط الوليد ، وتحولت الأنظار فجأة نحو **سليمان** في الرملة.
في دمشق، تولى **عمر بن عبد العزيز** زمام الأمور بسرعة خاطفة، فبايع الناس سليمان وسط ترحيب عارم، كأن المدينة تنفست الصعداء بعد سنوات من الشدة والصراعات. صعد سليمان المنبر في أول جمعة له، فكان صوته يملأ المسجد هدوءًا وخشوعًا، يذكّر الناس بالعودة إلى الله، ، وعدًا بعودة العدل والوئام.
لم يضيع سليمان وقتًا. بمشورة عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة، انطلق في حملة إصلاح عنيفة وسريعة: عزل ولاة الحجاج الذين أثقلوا كواهل الناس بالظلم والجور. يزيد بن أبي مسلم، عثمان بن حيان، خالد القسري، محمد بن يوسف… جميعهم أُبعدوا. فُتحت أبواب السجون، وأُطلق سراح المظلومين، وأُعيدت الحقوق إلى أصحابها. وفي واسط، بعث سليمان رجلاً ليخرج أهل “الديماس” من زنازين الحجاج، فخرجوا كالأموات الذين أُعيدت إليهم الحياة، يرتدون ثيابًا جديدة، وفي مقدمتهم الواعظ البكّاء يزيد الرقاشي.
أما الفتوحات، فكان سليمان يميل إلى اللين والموادعة، لكنه لم يتخلَ عن حلم كبير: **فتح #القسطنطينية**، عاصمة الروم المنيعة. جهّز جيشًا هائلاً، وبنى أسطولاً جديدًا في مصر، وأمر أخاه **مسلمة بن عبد الملك** بقيادة الحملة البرية. انتقل هو بنفسه إلى **مرج دابق**، قريبًا من ميدان المعركة، وأقسم قسمًا عظيمًا: “لا أبرح حتى يفتح الله علينا أو أموت”.
لكن القدر كان له رأي آخر. الأسوار الضخمة للقسطنطينية، نار #الروم اليونانية، هجمات البلغار من الخلف، برد الشتاء القارس… كلها تحالفت ضد الجيش الإسلامي. وفي تلك الأثناء، أصاب سليمان مرض شديد. وفي غمرة المرض، جاءه خبر مفجع: ابنه البكر **أيوب**، الذي كان يُعدّ خليفته المستقبلي، توفي فجأة. كمد سليمان على ابنه، ذاب قلبه ألمًا، وأخذ جسده ينحل يومًا بعد يوم.
في لحظاته الأخيرة، استشار رجاء بن حيوة في ولاية العهد. تردد قليلاً، ثم اتخذ قرارًا تاريخيًا: عهد بالخلافة لابن عمه **عمر بن عبد العزيز**، “خير الناس وأصلحهم”، ثم ليزيد بن عبد الملك بعده ليرضي بني أمية. لبس حلة خضراء، اعتم بعمامة خضراء، جلس على فراش أخضر، نظر في المرآة وقال بصوت خافت: “أنا والله الملك الشاب!” ثم خرج ليصلي الجمعة… فلم يعد إلا محمومًا.
دخل عليه رجاء، وجّه وجهه إلى القبلة، فأفاق وقال: “لم يأن لذلك بعد يا رجاء”. في المرة الثالثة، قال: “من الآن يا رجاء”، ثم نطق بالشهادتين، وفاضت روحه. كان ذلك في العاشر من صفر سنة ٩٩ هـ، في مرج دابق، وسط جيشه الذي كان يترقب فتحًا لم يتحقق.
غطاه رجاء بقطيفة خضراء، أغلق الباب، ثم جمع الناس وقرأ الكتاب المختوم: “بايعوا لمن فيه”. تغيرت وجوه بني مروان حين سمعوا اسم عمر، لكنهم سكتوا حين سمعوا يزيد بعده.
هكذا انتهت خلافة قصيرة لكنها مليئة بالدراما والإصلاح والطموح الكبير. خلافة بدأت بنسمة عدل، وحملت حلم فتح عظيم، وانتهت بقلب مكسور على ابن، وعهد تاريخي مهّد لعهد **عمر بن عبد العزيز**، الذي سُمي خامس الخلفاء الراشدين.