فراج إسماعيل يكتب :بتهديداته لإيران: هل فقد ترامب البوصلة؟

هناك قلق داخل الإدارة الأمريكية من جدوى تهديدات ترامب بضرب إيران، والهدف من الهجوم، والخشية من رد فعل عسكري إيران عنيف وغير متوقع.
يطرح عدد من المحللين أن يكون ترامب نفسه فقد البوصلة بهذه التهديدات، وورط نفسه والولايات المتحدة في حرب لن يكون في مقدورها إسقاط النظام بل حشد التأييد القومي له داخل إيران.
تقول مجلة “تايم” الأمريكية إن النقاش الداخلي في الإدارة يعكس توترات أوسع نطاقًا في سياسة ترامب الخارجية. فبعد حملته الانتخابية التي ركزت على ضبط النفس والتشكيك في “الحروب الأبدية”، لجأ الرئيس بشكل متزايد إلى التهديدات والإكراه واستعراض القوة، حتى مع إصراره على رغبته في تجنب الصراعات الكبرى. ويقول المحللون إن النتيجة هي نهج لا يمكن التنبؤ به.
نسبة حدوث الهجوم الأمريكي على إيران تتناسب طردياً مع التغطية الإعلامية لأعداد قتلى الاحتجاجات في إيران. إسرائيل قدمت لترامب عدداً لا يخلو من المبالغة المقصودة وهو 5000 قتيل.
وسائل الإعلام الأمريكية لم تبتعد كثيرا عن هذا الرقم. صحيفة النيويورك تايمز نقلت عن شهود عيان أن القتلى 3000 . وتقول منظمات حقوق الإنسان إنّ آلاف المتظاهرين ربما قُتلوا، إلا أنّه لا يمكن التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل في ظلّ انقطاع الإنترنت الذي فرضته الحكومة.
هدد ترامب بهجوم وشيك ودعا المتظاهرين بالإستمرار وحفظ أسماء المعتدين عليهم ومن يقومون بأعمال القتل لمحاسبتهم.
وهو هنا يبدو واثقاً من قدرة الاحتجاجات بمساعدة أمريكية على إسقاط النظام، مع تهيئة البديل لمفضل لنتنياهو، ولي العهد السابق، رضا بهلوي نجل الشاه الذي أطيح به عام 1979 ومات في المنفى.
وفي تقرير نشره موقع أكسيوس الأمريكي أن بهلوي يسعى إلى ترسيخ مكانته كقائد “انتقالي” في حال سقوط النظام.
يقود بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به خلال الثورة الإسلامية عام 1979، فصيلًا معارضًا من منفاه في الولايات المتحدة.
خلال الأسبوعين الماضيين، ظهر بهلوي على شاشات التلفزيون الأمريكية داعيًا إدارة ترامب للتدخل دعمًا للاحتجاجات.
عندما بدأت الاحتجاجات، لم تعتبر إدارة ترامب بهلوي شخصية سياسية مؤثرة. وفي مقابلة مع برنامج “Hugh Hewitt Show” الأسبوع الماضي، امتنع ترامب عن تأييده.
لكن مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى صرّح بأن الإدارة فوجئت بهتافات المتظاهرين باسم بهلوي خلال العديد من المظاهرات.
وقال المسؤول الأمريكي: “هناك صعود ملحوظ لبهلوي. فهم يهتفون باسمه في المظاهرات في العديد من المدن، ويبدو أن ذلك يحدث بشكل عفوي”.
قال سجاد بور كبير المحللين في مؤسسة كارنيجي: “معظم هؤلاء المتظاهرين وُلدوا بعد ثورة 1979، ويحنّون إلى حقبة لم يعيشوها، حين كان اقتصاد البلاد مزدهراً، وكانت تتمتع بحرية اجتماعية، وصورة دولية إيجابية. رضا بهلوي هو الزعيم الذي يجسّد، في نظر كثير من الإيرانيين، تلك الروح الوطنية وذلك الحنين إلى المستقبل لإعادة إيران إلى عظمتها”.
وقال راز زيمت، مدير برنامج إيران في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، إن اسم بهلوي برز بشكل ملحوظ في الاحتجاجات، لكن من الصعب الجزم ما إذا كان ذلك يعكس تأييداً شعبياً واسعاً داخل المجتمع الإيراني.
ودعا ترامب الشعب الإيراني، يوم الثلاثاء، إلى “مواصلة الاحتجاج” و”السيطرة” على مؤسسات الدولة، مضيفًا: “المساعدة قادمة”.
رغم تصاعد الاحتجاجات فإن هجوما أمريكيا واسعا على إيران قد يكون له أثر عكسي، إذ ستعلن إيران حالة الطوارئ وستعتبر الاحتجاجات خيانةً عظمى، خصوصا إذا نفذت إيران تهديداتها وردت بضرب بضرب القواعد الأمريكية في الخليج والدول المساعدة لواشنطن في المنطقة، ولن يكون في مقدور الولايات المتحدة التدخل البري كما فعلت سابقاً في العراق.
تساءل نك بوبلي مراسل مجلة تايم الأمريكية: ما هو شكل التدخل الأمريكي في إيران تحديدًا، وما الغاية منه؟..
قال المراسل: على الرغم من الخطاب العدائي، لم يُرسل البنتاجون حاملات طائرات أو مجموعات ضاربة إلى المنطقة. كما أبدى حلفاؤه الخليجيون، الذين ما زالوا متخوفين بعد الضربات الصاروخية الإيرانية خلال الحرب القصيرة مع إسرائيل العام الماضي، عزوفًا عن استضافة هجمات أمريكية على إيران.
ويحذر جون هوفمان، خبير شؤون الشرق الأوسط في معهد كاتو، قائلاً لمجلة تايم: “هذا مثال آخر على تدخل الولايات المتحدة في أحداث تجري في الشرق الأوسط دون هدف واضح. هل ستُطيح ضربة واحدة بالنظام؟ .. لا أعتقد ذلك. ومن الواضح أن هذا سيؤدي إلى مزيد من المطالبات بالمزيد من العمليات”.
وتقول منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “السيناريو الأرجح الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى التدخل عسكريًا هو أن يتضح بشكل قاطع أن النظام يقتل أعدادًا هائلة من المتظاهرين”. وقد صوّر ترامب نفسه القمع المميت كدافع محتمل للتحرك، لكن يعقوبيان حذّرت من أن نقص المعلومات الموثوقة يجعل مثل هذا التحديد صعبًا.
وأشارت إلى أن إيران، نظراً لموقعها في الشرق الأوسط، حالة أكثر تعقيداً بكثير من فنزويلا مثلاً، وتفتقر إلى معارضة موحدة ومنظمة قادرة على الحكم.
وتضيف يعقوبيان: “إن محاولة إسقاط النظام تؤدي إلى قدر من الفوضى. وأعتقد أن إدارة ترامب تخشى التورط في هذا المستوى من الفوضى وعدم القدرة على التنبؤ”.
ويتساءل بهنام بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: “هل يسعى الرئيس إلى تغيير النظام؟”. أقول، حتى الآن، لم يوضح الرئيس ما يسعى إليه.
حسب مجلة تايم يُلقي هذا الغياب بظلاله على الخيارات العسكرية المطروحة. قد تُصمّم ضربة محدودة، ربما ضد منشأة تابعة للحرس الثوري الإسلامي، أو مبنى وزارة الاستخبارات، أو مركز قيادة – لإظهار العزم دون إشعال صراع أوسع. لكن مثل هذه الضربات تُخاطر بتأجيج المشاعر القومية حول النظام، وإغلاق الباب أمام إمكانية انشقاق عناصر من قوات الأمن.
تعلق يعقوبيان: “من الصعب تصور كيف سيدفع استهداف هذه العناصر الأمنية نفسها النظام الإيراني إلى إلقاء أسلحته والانضمام إلى المتظاهرين. بل على الأرجح سيكون له أثر عكسي”.
ويقول طالبلو أن أي ضربات ستُنفّذ على الأرجح بطريقة تُساعد المتظاهرين بدلاً من إجبارهم على العودة إلى منازلهم. ويتابع: “ينبغي أن تتجه الأنظار إلى جهاز القمع، وإلى هيكل قوات الأمن متعدد المستويات في الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن أنظمة القيادة والسيطرة، وبنية جهاز القمع التابع للنظام، وما يفعله النظام لخنق الإنترنت”.
يقول المحللون إن العقوبات، التي لطالما كانت ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية تجاه إيران، لم تعد تُجدي نفعًا، نظرًا لاتساع نطاق القيود الحالية.
ويمكن لتدابير أكثر سرية، بما في ذلك الاختراقات الإلكترونية، والعمليات الاستخباراتية، أو الإجراءات التي يمكن إنكارها بشكل معقول، أن تسمح لواشنطن بممارسة الضغط دون إجبار طهران على رد عسكري مباشر.