مفهوم القيمة في الإطار اللساني: من بنية السيميوطيقا السردية إلى أخلاق المعنى….بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

ليست اللغة مجرد أداة للتواصل، بل هي أفقٌ قيميٌّ يُعاد فيه تشكيل الوجود رمزيّاً. ففي كل لفظة تُنطق، وفي كل جملة تُبنى، تُعاد صياغة علاقة الإنسان بالعالم، لا بوصفه مادة صامتة، بل بوصفه شبكة دلالية تتحرك فيها القيم كما تتحرك المعاني. ومن هنا يكتسي مفهوم القيمة في الإطار اللساني، وبخاصة داخل السيميوطيقا السردية، مكانة مركزية؛ إذ يغدو ليس مجرد مفهوم تقني، بل مبدأً منظِّماً لاقتصاد الدلالة، وحارساً خفياً لمعنى الجمال والحقيقة معاً.
في المنحى التوليدي للسيميوطيقا السردية، تحتل القيمة موقع القلب من الجسد النظري؛ فهي التي تضبط حركة المعنى عبر المسار التوليدي كله، من البنية العميقة إلى السطح الخطابي. إن القيمة هنا ليست صفة أخلاقية بالمعنى المباشر، بل هي علاقة: علاقة بين العلامات داخل النسق، وبين العلامات وموضوعاتها، وبين الخطاب وذاته المتكلمة. فهي ما يجعل الكلمة تختلف عن غيرها، لا بذاتها، بل بما ليست هي، كما بيّن فرديناند دو سوسير حين جعل من “القيمة” جوهر النظام اللساني، حيث لا معنى خارج شبكة الفروق.
وقد وجد هذا التصور طريقه إلى السيميوطيقا الكريماصية، حين استثمر الجيرداس جوليان گريماص مفهوم القيمة منذ بدايات مشروعه، ساعياً إلى بلورة البنية الأولية للدلالة. ففي كتابه “الدلالة البنيوية”، لم تكن القيمة عنصراً هامشياً، بل كانت الشرط الذي يسمح بتكوّن المعنى داخل الحكاية: فالشخصيات لا تتحرك اعتباطاً، بل تسعى إلى امتلاك قيم، أو الدفاع عنها، أو فقدانها، أو استبدالها. وهكذا يغدو السرد مسرحاً لصراع القيم، لا للأحداث وحدها.
إن المسار التوليدي في السيميوطيقا السردية لا يشتغل على الحكاية كوقائع، بل كبنية قيمية. فالبطل لا يُعرَّف بما يفعل فقط، بل بما يسعى إليه: الحرية، الحب، السلطة، المعرفة، الخلاص. وكل فعل سردي هو في جوهره انتقال في سلّم القيم: من نقص إلى امتلاء، من فقد إلى امتلاك، من حرمان إلى تحقق. وبذلك تصبح القيمة هي الطاقة المحرّكة للسرد، والعلة الخفية لكل حدث.
لكن القيمة اللسانية لا تقيم في النص وحده، بل في العقل الذي يصوغه، وفي الثقافة التي تمنحه شرعيته. من هنا لا يمكن فصل السيميوطيقا عن الفلسفة، لأن سؤال القيمة هو في عمقه سؤال وجودي: ما الذي يستحق أن يُقال؟ وما الذي يستحق أن يُروى؟ وما الذي يستحق أن يُضحّى من أجله؟ فحين تتغير القيم، تتغير اللغة، وحين تنحط القيم، تنحط الدلالة، وتتحول الكلمات إلى قشور فارغة، أو إلى أدوات تضليل.
ولم يكن هذا الوعي حكراً على اللسانيين الغربيين؛ فقد انتبه إليه باحثون عرب، اتخذوا من الدرس اللساني سبيلاً لإعادة قراءة التراث، وكشف بنياته القيمية العميقة. ففي مشروع عبد السلام المسدي، وفي دراسات يحيى أحمد يحيى، وعبد القادر الفاسي الفهري، وحمادي صمود، وأحمد المتوكل، والهادي الطرابلسي، وغيرهم، تتجلى محاولة جادة لربط اللغة بوظيفتها الحضارية، وردّ البلاغة والنحو والأسلوب إلى سؤال المعنى والقيمة، لا إلى مجرد الصنعة اللفظية.
لقد أدرك هؤلاء أن التراث العربي ليس مخزناً للنصوص فحسب، بل خزّاناً للقيم المتجسدة في اللغة: في نظم الجرجاني، وفي البيان والتبيين، وفي التفكير البلاغي الذي لم يكن بحثاً في الزخرف، بل في كيفية إنتاج المعنى المؤثر. فالقيمة هنا ليست عنصراً خارجياً يُضاف إلى النص، بل هي روحه التي تمنحه القدرة على البقاء.
ومن هذا المنظور، تغدو السيميوطيقا السردية علماً للمعنى، وفلسفةً للقيمة في آن. فهي لا تكتفي بتفكيك العلامات، بل تسأل: لماذا تتحرك؟ ولماذا تتصارع؟ ولماذا تنتصر قيمة على أخرى؟ إنها تحوّل السرد إلى خريطة أخلاقية وجمالية في آن، حيث تتجاور الرغبة والمعرفة، السلطة والحرية، الحياة والموت.
وهكذا، فإن مفهوم القيمة في الإطار اللساني ليس مفهوماً تقنياً بارداً، بل هو قلب نابض داخل الجسد السردي. به تتحدد هوية العلامة، وبه تُقاس حرارة الخطاب، وبه يُمتحن صدق الثقافة. فإذا فقدت اللغة قيمتها، فقد الإنسان مرآته، وإذا فسدت القيم، صار السرد مجرد ضجيج بلا معنى، وكلاماً بلا روح.
إن الدفاع عن القيمة في اللغة هو في جوهره دفاع عن الإنسان: عن حقه في أن تكون كلماته أكثر من أصوات، وأن تكون قصصه أكثر من تسلية، وأن تكون لغته بيتاً للمعنى، لا مقبرة له.