تاريخ العرب

هيبه أبو عبيدة بن الجراح

كان أبو عبيدة بن الجراح رجلا إذا رأيته شعرت أن الهيبة يمكن أن تكون هدوءا وأن القوة يمكن أن تكون رحمة وأن القلب إذا امتلأ بالإيمان صار له نور لا يشبه نور البشر فقد كان من أوائل من أسلموا على يد أبي بكر وكان من الرجال الذين عرفوا الحق قبل أن يعرفهم الناس وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لكل صحابي فضيلة خاصة لكنه حين ذكر أبا عبيدة قال كلمة واحدة تكفي لتعرف مقامه قال لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح
وكان أبو عبيدة رجلا نحيفا ليس بالطويل ولا بالقصير لكنك إذا رأيته شعرت أن في عينيه صدقا لا يتغير وأن في صوته ثباتا لا يهتز وأن في خطواته عزما لا يعرف التردد وكان قليل الكلام كثير العمل لا يحب الشهرة ولا يطلب القيادة لكنه كان إذا حمل السيف حمل معه قلبا لا يعرف الخوف وإذا وقف في الصف وقف كأنه جبل لا يتحرك
وفي يوم بدر كان أبو عبيدة يقاتل قتال رجل يرى الجنة أمامه وكان أبوه مشركا يقاتل مع قريش وكان الأب يبحث عن ابنه يريد قتله لأنه ترك دين آبائه وكان أبو عبيدة يبتعد عنه لا يريد قتله لكنه كان يلاحقه حتى اضطر أبو عبيدة أن يدافع عن نفسه فقتله وكان هذا من أشد المواقف على قلبه لكنه كان يعلم أن الله ورسوله أحب إليه من أبيه ومن الدنيا كلها
وكان النبي يحبه حبا عظيما حتى إنه في يوم من الأيام جاء وفد من أهل نجران يسألون النبي أن يرسل معهم رجلا يعلمهم الدين فقال النبي لأصحابه لأبعثن معكم أمينا حق الأمين فقام كل الصحابة يرجون أن يكونوا هم فقال النبي قوموا يا أبا عبيدة فقام الرجل الذي لا يطلب شيئا لكنه يأخذ كل شيء لأنه يستحقه
وحين مات النبي صلى الله عليه وسلم وارتجت المدينة كلها كان أبو عبيدة من أثبت الناس وكان يقول للصحابة يا قوم من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وكان هذا الكلام كالماء البارد على قلوب الصحابة لأنهم رأوا رجلا يعرف أن الرسالة أكبر من الأشخاص وأن الدين لا يموت بموت أحد
وحين تولى أبو بكر الخلافة واشتعلت الفتن في الجزيرة كان أبو عبيدة من قادة الجيوش الذين أعادوا للأمة قوتها وثباتها ثم أرسله أبو بكر إلى الشام قائدا عاما لجيوش المسلمين وكان عمر بن الخطاب يقول والله لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته فإن سألني ربي لقلت استخلفت أمين الله وأمين رسوله
وكان أبو عبيدة قائدا لا يشبه القادة كان يعيش مع جنوده كأنه واحد منهم يأكل ما يأكلون وينام حيث ينامون ولا يميز نفسه عن أحد وكان إذا جاءه الطعام الجيد أرسله للفقراء وإذا جاءه المال وزعه على الناس حتى لا يبقى في بيته شيء وكان يقول والله ما أنا إلا رجل من المسلمين إن استغنيت فبفضل الله وإن افتقرت فبفضل الله
وفي يوم اليرموك كان أبو عبيدة قائدا على أربعين ألفا من المسلمين وكان الروم أكثر من مئتي ألف وكان الناس ينظرون إلى هذا الجيش العظيم فيخافون لكن أبا عبيدة كان يقف بينهم كأنه يقف أمام عدد قليل وكان يقول يا قوم اصبروا فإن الصبر مفتاح النصر وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا وكان يقاتل معهم كأنه جندي لا قائد وكان يمر على الجرحى يمسح على رؤوسهم ويقول لهم أبشروا فوالله ما بينكم وبين الجنة إلا أن تغمضوا أعينكم
وانتصر المسلمون في اليرموك نصرا عظيما فتح الله به الشام كلها وكان عمر بن الخطاب يكتب إلى أبي عبيدة يقول له يا أبا عبيدة والله ما على وجه الأرض رجل أحب إليّ من أن أكون مكانه منك وكان أبو عبيدة يرد عليه بكلمات قليلة لكنها تحمل قلبا عظيما يقول له يا أمير المؤمنين إنما نحن عبيد لله إن أحسنّا فبفضله وإن أسأنا فمن أنفسنا
ثم جاء البلاء الذي امتحن الله به قلوب الرجال جاء الطاعون طاعون عمواس الذي ضرب الشام وكان الناس يموتون بالعشرات ثم بالمئات ثم بالآلاف وكان عمر يريد أن ينقذ أبا عبيدة فأرسل إليه رسالة يقول فيها إنه قد عرضت لي حاجة ولا غنى لي عنك فأقبل إليّ فلما قرأ أبو عبيدة الرسالة عرف أن عمر يريد أن ينقذه من الطاعون فابتسم وقال لعمر إني أعلم حاجتك إليّ ولكنني في جيش من المسلمين ولا أريد أن أفر من قدر الله
ثم كتب إليه يقول يا أمير المؤمنين إني في جند من المسلمين لا أريد أن أختص نفسي بشيء دونهم فإن نزل بهم قدر الله نزل بي وإن رفعه عنهم رفعه عني فبكى عمر حين قرأ الرسالة وقال يرحمك الله يا أبا عبيدة لو كنت خرجت لفرحنا بك ولو بقيت لحزنا عليك
ثم أصيب أبو عبيدة بالطاعون وكان المرض شديدا لكنه كان صابرا راضيا وكان يقول اللهم اجعل نصيبي من هذا البلاء رحمة لي ولا تجعل فيه شقاء وكان الناس يزورونه فيجدونه مبتسما كأنه لا يشعر بالألم وكان يقول لهم إن الله كتب على عباده الموت فمن مات صابرا محتسبا لقي الله وهو عنه راض
وحين اشتد عليه المرض جمع أصحابه وقال لهم أوصيكم بتقوى الله فإنها خير زاد وأوصيكم بالصلاة فإنها عمود الدين وأوصيكم بالصدق فإنه منجاة وأوصيكم ألا تغتروا بالدنيا فإنها ظل زائل ثم قال لهم ابكوا على أنفسكم لا عليّ فوالله ما أبكي على الدنيا ولكن أبكي أني لا أزيد عملا يقربني إلى الله
ومات أبو عبيدة في أرض الشام التي فتحها بيده ودموع عمر لم تجف عليه وكان عمر يقول لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ولو استخلفته لقلت لربي استخلفت أمين هذه الأمة
ومات أبو عبيدة لكن قصته لم تمت لأنها قصة رجل عاش لله ومات لله قصة رجل جمع بين القوة والرحمة وبين القيادة والتواضع وبين السيف والدمعة قصة رجل إذا قرأه الإنسان شعر أن العظمة ليست في الشهرة ولا في المال ولا في الملك بل في القلب الذي يعرف الله ويخشاه
وهكذا تنتقل قصته من قلب إلى قلب لأنها توقظ في النفوس معنى الأمانة ومعنى الإيمان ومعنى أن يعيش الإنسان لله وحده

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى