آدم وليلي….. بقلم وحيد محمود عيادة

لم يكن آدم يعرف للحب طريقًا واضحًا في حياته.
لم يكن من أولئك الذين يؤمنون بالانبهار السريع، ولا من هواة السقوط المفاجئ. كان دائمًا يثق في العقل أكثر من القلب، ويظن أن المشاعر تأتي بالتدريج، إن أتت أصلًا.
ولكن تغير كل شيء حين دخل ذلك المبنى!
كان المركز الثقافي شامخًا، يطل على النيل مباشرة، زجاجه الواسع يعكس الضوء والماء معًا، وكأن المكان صُمم ليحتوي الأفكار الكبيرة فقط. جاء آدم ليجري مقابلة لوظيفة *مساعد مديرة الأنشطة الفكرية والثقافية*؛ منصب لا يحتمل التردد، ويتطلب عقلًا منظمًا، رؤية بعيدة، وقدرة على إدارة التفاصيل دون أن تُذبح الفكرة على مذبح الروتين.
لم يكن مستعدًا لما حدث داخل المكتب.
جلست ليلى خلف مكتبها، وخلفها نافذة ضخمة ينساب منها النيل في هدوء قديم.
لكن ما شدّه لم يكن المشهد… بل هي.
كانت عيناها أول ما أصابه بالارتباك؛
عينان ساحرتان، يملؤهما سحر الشرق، كأنهما بقايا نظرة فرعونية نجت من آلاف السنين. لم تكونا عينين عاديتين، بل نافذتين تسكبان قصائد صامتة، تحملان عمق التاريخ ودهاء الحاضر معًا.
حواجبها الطويلة الممتدة لم تكن مجرد تفاصيل جمالية، بل خطوط تحكي أحاديث ليلية رومانسية بلا صوت، وكأن كل انحناءة فيها جملة غير مكتوبة.
وحين كانت تتحدث، كان فمها…
ذلك الفم الذي يكاد يقطر عسلًا لا لفرط نعومته فقط ، بل لصدق نبرته. كلماتها لم تكن مزخرفة، لكنها كانت دقيقة، محسوبة، تخرج وكأنها تعرف طريقها قبل أن تُنطق.
قوامها، أوربي ممشوق، متناسق حتى في جلستها الثابتة خلف المكتب. حضورها لا يحتاج حركة ليُرى، ولا صوتًا عاليًا ليُفرض. وحتى يداها…
يدتان نحيلتان، أصابع طويلة، خُلقت وكأنها لم تُصمَّم للإمساك بالقلم فقط، بل لتعزف على البيانو، لتُخرج من الصمت موسيقى.
بدأت تسأله عن رؤيته للأنشطة الثقافية، عن دور الفكر في تشكيل الوعي، عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير. كانت تمسك بالقلم وكأنه امتداد لعقلها، تكتب وتستمع وتفكّر في آنٍ واحد.
وأثناء حديثها…
فقد آدم إحدى دقات قلبه.
لم يكن ارتباك مقابلة، ولا رهبة منصب، بل إحساس صامت ومفاجئ بأنه أمام امرأة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفه. عقلانية حدّ القسوة، ناقدة، عنيدة، لا تمرر فكرة غير مكتملة، ولا ترضى بنصف إجابة. تهتم بالتفاصيل كما لو أن الفوضى عدو شخصي لها، وكان واضحًا أن الكمال بالنسبة لها ليس ترفًا بل ضرورة.
خرج من المكتب وهو يحاول إقناع نفسه أن ما حدث لا يتجاوز الإعجاب المهني.
قال لنفسه:
*«انترفيو قوي… مش أكتر من كده .»*
لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن هذه المرة الأولى التي يسبق فيها القلبُ العقلَ دون إذن.
مرت الأيام، وبدأ العمل، وبدأ الاكتشاف الحقيقي. كل يوم كان يرى جانبًا جديدًا يزيد تعلّقه بها: صرامتها في إدارة الفعاليات، نظرتها البعيدة، إصرارها على أن يخرج كل نشاط بأفضل صورة ممكنة. كانت تُرهق من يعمل معها، لكنها تصنع نجاحًا لا يُنكر.
ثم جاء الخبر…
متأخرًا أكثر مما يجب:
ليلى متزوجة.
لم تكن الصدمة في المعلومة ذاتها، بل في توقيتها. جاءت بعد أن استقر الحب في مكانه بلا استئذان. حاول آدم إقناع نفسه أن الانسحاب هو القرار العقلاني الوحيد.
فانسحب.
حذف جميع الصور، أغلق وسائل التواصل، اختفى من المشهد، وانتقل إلى مكان آخر. لكن الجسد لم يحتمل ما كتمه القلب، فوجد نفسه في قسم الطوارئ بإجهاد لا تفسير طبيًا له. تعافى جسديًا، لكن الحب الصامت ازداد ثقلًا.
بعد أيام، وصلته رسالتها:
— *«مالك؟ إنت كويس؟»*
أجاب بإجابات عامة، لكنها لم تقتنع.
— *«مش مصدّقة.»*
— «ضغوط حياة.»
— *«إنت بتقول ألغاز.»*
ثم أضافت بسخرية خفيفة:
— *«واضح إنك كنت بتتفرج على برنامج عروستي و علي برامج الفوازير كتير.»*
ابتسم رغم ألمه.
— «مش كل حاجة ينفع تتقال.»
— *«ولا كل حاجة ينفع تتخبّى.»*
ثم قالت بجدية محسوبة:
— *«اطمّن… أي حاجة هتتحكي هنا هتفضل هنا. دي خصوصيات.»*
تردد، حتى وهو مريض.
— «مش متعود أفضفض.»
— *«يبقى اتعود.»*
ثم قالت بذكاء هادئ:
— *«واعتبرني طبيبة نفسية.»*
بدأ يحكي… ببطء، بحذر، كمن يختبر الأرض قبل أن يخطو.
— «حبيت ست من أول نظرة.»
— *«أهو كلام مفهوم أخيرًا.»*
— «القصة معقّدة.»
— *«إنت بتحب التعقيد.»*
— «اكتشفت إنها متزوجة.»
— *«وسايب كل البنات… وتحب المتزوجة؟»*
— «مكنتش أعرف.»
— *«وطبعًا خايف تعترف.»*
— «خايف من رد فعلها.»
سكت قليلًا، ثم قال:
— «تعالي نبدّل الأدوار.»
— *«مش عاجبني الاقتراح.»*
— *«ممكن تردي أي رد براحتك.»*
ساد صمت أطول هذه المرة.
— *«أول مرة سؤال يربكني… ومش عارفة أردّ مباشرة.»*
ثم قالت بنبرة حاسمة هادئة:
— *«لا… أنا مش حابة موضوع تبادل الأدوار.»*
وانسحبت من الفكرة تمامًا.
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء صادق:
— **«شكرًا جدًا… أنا حاسس دلوقتي براحة وتحسُّن.»**
— **«وشكرًا علشان خلّتيني أفضفض.»**
أنهى المكالمة وهو يشعر بخفة غريبة.
لم يعترف صراحة،
ولم يسمع رفضًا أو قبولًا،
لكنه قال كل ما لم يستطع قوله…
تحت غطاء مريض يفضفض لطبيبته النفسية.
وبين نافذة تطل على النيل،
وعينين فرعونيتين لم تُغمَضَا عن الذاكرة،
واعتراف لم يُقَل…
بقيت القصة معلّقة،
كما يجب لبعض أنواع الحب
أن تظل.