باب الله لا يُغلق …بقلم وحيد عيادة

ليلةُ الإسراء والمعراج ليست مجردَ ذكرى عابرة في السيرة النبوية، بل رسالة ممتدة عبر الزمن، كُتبت لتكون طمأنينةً لكل قلبٍ مثقل، وبوصلةً لكل روحٍ تائهة. جاءت هذه الليلة في واحدٍ من أشدّ الأعوام قسوة على النبي ﷺ؛ بعد عام الحزن، حيث فقد السند والحب بوفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، وفقد الحماية بوفاة عمه أبي طالب، وذاق مرارة الرفض والأذى في الطائف. ظاهريًا، لم يكن في الأفق إلا العسر… لكن السماء كانت تُعدّ اليُسر.
كان الإسراء انتقالًا من مكة إلى بيت المقدس، في رحلةٍ أرضية قصيرة بالمعايير الإلهية، عظيمة بالمعاني. ثم كان المعراج صعودًا إلى السماوات العلا، حيث كُشف للنبي ﷺ ما لم يُكشف لبشر من قبله، تكريمًا وتثبيتًا وتعويضًا ربانيًا. وكأن الرسالة واضحة: إذا ضاقت بك الأرض، فاعلم أن السماء مفتوحة، وإذا انقطعت الأسباب، فباب الله لا يُغلق.
لم تكن هذه الرحلة هروبًا من الواقع، بل إعادة تشكيلٍ للوعي. فبعدها لم تنتهِ المحن مباشرة، ولم تختفِ التحديات، لكن القلب الذي عاد من السماء لم يعد كما كان. عاد ممتلئًا باليقين، مطمئنًا بأن ما عند الله أعظم من كل ما يُفقد على الأرض. ومن قلب تلك الليلة فُرضت الصلاة، لتكون صلةً دائمة بين الإنسان وربه، وملجأً يوميًا لكل من ضاق صدره، لا معجزة عابرة بل معجزة مستمرة.
وحين نربط الإسراء والمعراج بواقعنا اليوم، ندرك أننا نعيش صورًا متعددة من “أعوام الحزن”: أزمات اقتصادية، قلق نفسي، خوف من الغد، شعور بأن الطرق مسدودة وأن العالم ينهار من حولنا. كثيرون يظنون أن ما يمرون به هو نهاية المطاف، وأن القادم لا يحمل إلا مزيدًا من الخسارات. لكن الإسراء والمعراج يأتينا كل عام ليقول: ليس كل ما يتأخر غيابًا، وليس كل ما يُؤلم عقابًا.
القرآن يحسم هذه الحقيقة بوضوح مطمئن:
**﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾**.
لم يقل *بعد* العسر، بل *معه*، أي أن اليُسر يولد في قلب الشدة نفسها، وإن لم نره بعد.
رسالة الإسراء والمعراج لكل القلوب الحائرة اليوم: اطمئنوا. ما دام الله هو المدبّر، فلا شيء يضيع. قد تتأخر الإجابة، وقد يطول الطريق، لكن العناية الإلهية تعمل بصمت. وربّ ضيقٍ يفتح بابًا لم يخطر ببال، وربّ كسرٍ يكون بداية تشكيل جديد أجمل وأصدق.
ازرعوا زهور الأمل في قلوبكم كما زُرعت في تلك الليلة العظيمة. تذكّروا أن الله الذي أسرى بعبده ليلًا، قادرٌ أن يُخرجكم من أضيق لحظاتكم إلى أوسع الطمأنينة. وأن ما نحسبه نهاية، قد يكون — في حساب السماء — بداية الرحلة إلى نورٍ لم نكن نراه.
تلك هي ليلة الإسراء والمعراج… درسٌ خالد يقول لنا:
إذا اشتدّ الظلام، فتوقّع الفجر.