غير مصنف

دموع أغلى من الذهب.. قصة قصيرة بقلم الكاتبة: ريم رفعت بطال

كان شاباً جميل الروح قبل الملامح، مجتهداً لا يعرف للكسل طريقاً. يعمل من الصباح حتى المساء، يحمل حلمه على كتفيه، يجمع المال ديناراً فوق دينار ليُحقِّق وعده الوحيد: أن يتزوج الفتاة التي أحبَّها ووعدها بالحياة الكريمة.

في ليلةٍ ممطرة، عاد إلى بيته متعب الجسد، مثقل القلب، فوجد والده

ينتظره على مائدة العشاء. جلسا معاً، وما إن بدأت اللقمة الأولى حتى دوّى طرقٌ عنيف على الباب. نهض الشاب مستغرباً، فتح الباب، فإذا برجل غريب يدخل دون استئذان، متجهاً نحو الأب، وصوته يعلو بالغضب:

«إلى متى سأنتظر؟ لقد نفد صبري! أريد نقودي، ثلاث سنوات من الوعود!»

تجمَّد الشاب في مكانه، ونظر إلى أبيه، فرأى دموعاً تتجمَّع في عينيه. لم يحتمل المشهد، فتقدّم بثبات

وقال:

«توقَّف عن الصراخ، اترك والدي، وأنا سأعطيك المال. كم المبلغ؟»

قال الرجل بحدَّة: «خمسون ألفاً».

أجاب الشاب دون تردُّد: «أبشر بالخير، انتظر قليلاً».

دخل غرفته، وأحضر المبلغ كاملاً، وقدَّمه للرجل قائلاً:

«تفضَّل، وأرجوك لا تعد لإزعاج أبي مرَّةً أخرى».

حاول الأب منعه، وقال بحرقة: إنَّ هذا المال زواجه المنتظر، لكن الابن ابتسم بحنان وقال:

«لا تهتم يا أبي، دموعك أغلى من أيِّ شيء، وسينتظر زواجي عاماً آخر».

خرج الرجل، وبقي الأب والابن. اقترب الأب، قبَّل رأس ابنه وقال:

«أدعو الله من قلبي أن يفرّج همَّك، ويعوضك أضعاف ما أعطيت، ويبعد عنك كلَّ عائق».

أجابه الشاب: «هذا ما أريده فقط… وجودك ورضاك يا أبي».

في اليوم التالي، وبينما الشاب غارق في تعبه، زاره صديق قديم لم يره منذ سنوات. قال له بلهفة:

«أبحث عنك منذ أسبوع! هناك رجل أعمال بدأ مشروعاً جديداً، يحتاج شاباً بمواصفاتك، وقد حدَّثته عنك، وهو ينتظرك».

امتلأ قلب الشاب فرحاً، وابتسامة غابت طويلاً عادت لتضيء وجهه، وقال:

«إنها دعوة أبي… وقد استجاب الله لها».

ذهب إلى العمل الجديد، فاستقبله رجل الأعمال بحفاوة. سأله عن راتبه السابق، فقال: «خمسة آلاف».

ابتسم الرجل وقال:

«سأعطيك خمسة عشر ألفاً، مع عمولة، وسكن، وسيارة خاصة، وسأصرف لك راتب ستة أشهر مقدّماً».

لم يتمالك الشاب نفسه، وانهمرت دموعه. تعجَّب رجل الأعمال وسأله عن السبب، فروى له قصته. تأثَّر الرجل كثيراً، وأمر فوراً بمكافأته بالمبلغ الذي سدَّده ديناً عن والده، وقال:

«هذا جزاء برّ الوالدين».

وهكذا تعلّم الشاب أن ما يُعطى من القلب لا يضيع، وأن دمعة أب قد     

تفتح أبواب السماء، وأنَّ البرَّ طريقٌ قصير إلى رضا الله، ومن رضي

الله عنه أغناه من حيث لا يحتسب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى