فراج إسماعيل يكتب :”فن الممكن” في تهديدات ترامب لإيران

يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تعرف الكثير عن إيران رغم تعدد وسائل معلوماتها من السي آي ايه إلى المخبرين والجواسيس في الداخل الإيراني، إلى منظمات التحليل والبحث والتقصي في الولايات المتحدة.
لذلك عندما هدد ترامب بقصف إيران إذا قتلت المحتجين أوأعدمتهم، اعتمد فقط على معلومات الموساد التي نقلها إليه نتنياهو في زيارته الأخيرة.
قطعا كانت معلومات قائمة على رغبة نتنياهو في الخروج من صورة الزعيم المأزوم في الداخل الإسرائيلي، إلى صورة الزعيم العالمي، وقناته إلى ذلك الهجوم على إيران، فورط ترامب في تهديدات للنظام الإيراني تجاوزت فن الممكن إلى ما يعتبره بعض المحللين من المستحيلات.
لقد وقع ترامب في فخ نتنياهو، ولتخليص نفسه بحث عن زعيم للمعارضة الإيرانية فلم يجد إلا نجل شاه إيران المخلوع المقيم في الخارج حتى من قبل الإنقلاب على والده عام 1979.
لكنه وجده حسب حواره مع رويترز “رجل لطيف” وليس متأكدا من قدرته على قيادة إيران، أو أن الإيرانيين سيقبلون به. نتنياهو كان قد أخبره غير ذلك، وهو صديق شخصي لذلك الرجل اللطيف الذي وصل إلى 65 عاما من عمره، ولم يمارس المعارضة السياسية إلا هذه الأيام، ولا يعلم شيئا عن قدرات مدينة “قم” مسقط رأس ثقافة وإرث القيادة الدينية لإيران.
راهن ترامب ونتنياهو على أن الاحتجاجات ستسقط النظام الإيراني، وأن العمائم ستطير مع أول هجوم أمريكي، ويكفي أن تنشر الصحافة الأمريكية العواجل عن تصاعد أعداد القتلي من المئات إلى الآلاف، لكي يصبح المرشد الأعلى خامنئي ونظامه على وشك السقوط.
ظن ترامب أنه اقترب من ساعة الصفر. أمرت إدارته بإخلاء بعض الموظفين غير الأساسيين من أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، قاعدة العديد في قطر، وأمر المواطنين الأمريكيين في السعودية بعدم الخروج إلا للضرورة.
جرت مشاورات سرية مع ممثلين للأقليات الإيرانية من عرب وأكراد وبلوش وأذريين. المفترض أنهم غاضبون من تمييز الفرس ضدهم وأن النظام ذو النزعة القومية وراء ذلك. جرت مشاورات أيضا مع ممثلين من السنة الإيرانيين على أساس أنهم يريدون المساواة مع الشيعة الصفويين، وكذلك تشاور مع الطوائف الشيعية الأخرى غير الاثنى عشرية، على أساس أنهم لا يمارسون حرياتهم الدينية، وأقصى مراكز التمييز ضدهم مادة في الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية لابد أن يكون شيعيا اثنى عشريا.
في الواقع لم يجد ترامب معارضة في الداخل يطمئن إلى قدرتها على إزاحة العمائم، سواء كانت أقليات قومية أو دينية أو علمانيين فرس. وجد ضالته في صاحب متجر صغير اسمه “عرفان سلطاني” اعتقلته السلطات يوم 8 يناير.
كأن إدارة البيت الأبيض وصلت إلى “الممكن” في حملة ترامب تجاه إيران فبدأت تنفخ في قضية هذ الشاب الذي لم يتجاوز عمره 26 عاما ولا يعرف شيئا غير السلع التي يبيعها في متجره لتحويله إلى “أيقونة” للتغيير كما حدث في ربيع تونس نهاية 2010 وبدايات 2011.
ركزت وسائل الإعلام الامريكية عواجلها على لحظة “إعدام عرفان” باعتبارها ستكون ساعة الصفر للهجوم الأمريكي الإسرائيلي، لكن طهران فهمت المقصود وأسقطت الأيقونة وأعلنت أن التهم الموجهة إليه لا يرقى الحكم عليها إلى “الإعدام”.
لكن الطامة الكبرى على رأس ترامب وربما تكون قد خيبت أمل نتنياهو جاءت من السعودية وعمان وتركيا.. أبلغوا الإدارة الأمريكية بأن النظام الإيراني لن يسقط بالسهولة التي يتصورونها وبدلا من ذلك ستدخل المنطقة بأثرها في الفوضى وتدفق اللاجئين وحركات إنفصالية خصوصا من ناحية أكراد تركيا، وأن هذه الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي ستكون مهددة بملايين اللاجئين من القوميات الإيرانية المختلفة، بأشد مما تحملته من ملايين اللاجئين السوريين خلال الحرب الأهلية السورية.
الساعات الماضية شهدت تراجع ترامب عن تهديداته بحجة أن أعمال قتل المحتجين قد توقفت أوانخفضت، وأنه لم يصدر حكم بإعدام عرفان سلطاني!
الحقيقة أن ترامب تعامل مع إيران بوتيرة تعامله مع فنزويلا. ورأى أن إٍسقاط خامنئي أو خطفه يمكن أن يتم بسهولة، فقد أسقطت الولايات المتحدة من قبل نظام صدام حسين القوي وحلت جيشه الذي ضرب تل أبيب بالصواريخ؟.
لكن فات عليه أن طباع الفرس لاتشبه الطباع العربية، وأنهم لا يرمون المنديل بسهولة رمي العرب لمناديلهم، وأن نظام العمائم ذو تركيبة معقدة، جيشا وحرسا ثوريا وأجهزة امنية وأفكارا.