في فهم المسألة الإيرانية “من الداخل”: الاقتصاد يا غبي

كتب:هاني الكنيسي
“إنه الاقتصاد يا غبي” (The economy, stupid) .. لم يكن هذا “الشعار الانتخابي” الذي صاغه الخبير الاستراتيجي الأمريكي ‘جيمس كارفيل’ عام 1992، مجرد “مانشيت” عابر أو عبارة دعائية جذابة Catchy Phrase (كما يسمّيها أهل الإعلام والإعلان)، بل تحول بمرور السنوات إلى ما يشبه “القاعدة الذهبية” في معطيات السياسة الدولية، وفي تفسير بعض نتائج الانتخابات (غير المتوقعة)، أو تحليل أسباب اندلاع الثورات والاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان حول العالم – وفي هذا، لا تبدو الحالة الإيرانية استثناءً.
تعود القصة إلى المنافسة الانتخابية بين الرئيس الجمهوري ‘جورج بوش الأب’ وخصمه الشاب الديمقراطي ‘بيل كلينتون’. فبينما كان بوش مزهوًا بانتصاره العسكري في حرب الخليج (تحرير الكويت)، وكانت الاستطلاعات تشير إلى شعبيته الطاغية ” كقائد قوي في السياسة الخارجية”، كانت جيوب الأمريكيين تئن تحت وطأة الركود الاقتصادي. وكانت هذه “نقطة الضعف” التي اعتمدت عليها حملة كلينتون الانتخابية، وبالفعل آتت ثمارها وأطاح كلينتون ببوش “بالضربة القاضية”.
اليوم، يتجسد الشعار ذاته بأقسى صوره في الأزمة الإيرانية. وبعيدًا عن المؤامرات الخارجية و”أصابع الموساد والسي آي ايه” وطموحات نجل الشاه الهارب في استعادة العرش الملكي البائد، تتجمع الدلائل التي تثبت أن فتيل الغضب الشعبي لم يشتعل في الصالونات السياسية أو في الكواليس الاستخباراتية، بل في ردهات البنوك المتعثرة وعلى طاولات “بازار طهران” التي أرهقها انهيار العملة المحلية (الدولار الواحد يساوي مليون و100 ألف ريال – أو ‘تومان’ بالتعبير الفارسي)
وفقاً لأحدث تقارير ‘وول ستريت جورنال’، لم تندلع الاحتجاجات الأخيرة في إيران كحراك شعبي عفوي “نقمةً على نظام الحكم الإسلامي أو سياسات الحرس الثوري القمعية -كما يريد الغرب أن يصدّق وتروّج له منابره الإعلامية- بل كانت شرارتها الحقيقية الانهيار المدوي لبنك ‘آينده’ (Ayandeh Bank) الذي تحوّل إلى “رمز للفساد البنيوي، أثقل كاهل الدولة بقروض متعثرة بلغت نحو 5 مليارات دولار”
حاولت الحكومة الإيرانية “تغطية الشمس بغربال”، من خلال طباعة كميات ضخمة من النقد لسد ثغرات البنك. إلا أن تلك السياسة كانت بمثابة صب الزيت على نار التضخم. وبحسب صندوق النقد الدولي، تواجه إيران “تحديات نقدية غير مسبوقة”، حيث اتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الحر، مما خلق بيئة من عدم اليقين المزمن دفعت التجار والمواطنين إلى الشوارع خوفاً على ما تبقى من مدخراتهم. *يتسق هذا التحليل إلى أبعد الحدود مع المتداول مؤخرا من تقارير عن ميل إدارة ترمب للتريث في خطوة “العمل العسكري”، انتظارا لتفاعل الأزمة الاقتصادية وانهيار النظام الإيراني من الداخل تحت وطأة الغضب الشعبي وفي ظل “ضيق ذات اليد الحكومية”.
واجهة “إيران مال” وخلفية الانهيار
في قلب هذه العاصفة يبرز اسم علي أنصاري، رجل الأعمال الذي أسس بنك “آينده” عام 2013، عبر دمج “تات بنك” مع مؤسسات حكومية. وبدلاً من أن يكون البنك رافعة اقتصادية، تحول تحت إدارته إلى “خزانة شخصية” لتمويل مشاريع ضخمة مثل “إيران مال”، الذي وجه أنصاري أكثر من 90% من الودائع لمشاريع مرتبطة به.
هذا “الاستيلاء المصرفي” لم يكن ماليا أو فنياً فحسب، بل كان سياسياً بامتياز؛ إذ التهمت ديون البنك الخاص للمصرف المركزي الإيراني ربع النمو النقدي الكلي في البلاد في بعض الفترات. ورغم محاولات البنك المركزي لتقليص نفوذ أنصاري، إلا أن الحصانة والطعون القضائية كانت تحول دون ذلك، حتى وصل الأمر إلى قرار حله في أكتوبر 2025 ونقل أصوله إلى “بنك ملي” الحكومي في محاولة يائسة لتفادي الانفجار الكلي.
الفساد الممنهج والعقوبات الدولية
لا يمكن فصل هذه الأزمة عن “اقتصاد الظل” الذي يديره النظام الإيراني في مواجهة موجات العقوبات الغربية المتلاحقة والحصار الأمريكي الخانق منذ عقود. ففي أواخر أكتوبر 2025، فرضت بريطانيا عقوبات على أنصاري، واصفة إياه بـ”المصرفي ورجل الأعمال الفاسد” الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الحرس الثوري الإيراني.
هذا التوصيف -بغض النظر عن دوافعه المسيّسة- ربما يعكس جوهر الأزمة؛ فالقروض التي مُنحت للمقربين من النظام لم تكن من قبيل “سوء الإدارة”، بل كانت “نزيفاً منظماً” لأموال الشعب لصالح الأجنحة العسكرية والسياسية. وعندما جفت السيولة وتهاوت العملة، كان السوق أو “البازار” – القلب النابض لاقتصاد طهران التاريخي- أول من أطلق صرخة الاعتراض، لتمتد منه الاحتجاجات إلى كافة الأطراف.
الخلاصة
المسألة الإيرانية اليوم، ورغم تعقيداتها الجيوسياسية وتشابكاتها الإقليمية والدولية، لا يمكن قراءتها بعيدًا عن تآثيرات لقمة العيش وقيمة العملة. إنها رسالة “الاقتصاد يا غبي” ذاتها التي أطاحت ببوش الأب قديماً: مهما بلغت القوة الخارجية والسطوة الأيديولوجية، يظل الاقتصاد هو “كعب أخيل” الذي يهز أركان أي نظام حكم.