تاريخ العرب

معركة الجمل

في اليوم العاشر من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين للهجرة كانت مكة هادئة تحت شمس الشتاء حين خرجت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من رحابها وقد حملت في قلبها ألما عظيما لما بلغها من خبر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذلك الشيخ الوقور الذي كان حياؤه يضرب به المثل والذي كان الناس يعرفون مكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطربت القلوب واهتزت المدينة وارتجت الأمة كلها على وقع تلك الحادثة التي لم يعرف المسلمون مثلها من قبل فخرجت أم المؤمنين وهي ترى أن واجبها أن تدعو الناس إلى المطالبة بدم عثمان وأن تجمع الكلمة على القصاص من القتلة لعل ذلك يطفئ نار الفتنة قبل أن تمتد في جسد الأمة
وسارت راحلتها في طريق طويل يقطع الفيافي والوديان وقد اتخذت لها هودجا يظلها من حر الشمس وبرد الليل وكانت القلوب حولها مشتعلة بالحزن والغضب والغيرة على دم الخليفة المظلوم وفي تلك الأثناء كان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما قد خرجا من المدينة بعد أن بايعا عليا رضي الله عنه بيعة لم يرضيا عنها تماما وكانا يريان أن الأمر يحتاج إلى نظر وأن القصاص من قتلة عثمان أولى من كل شيء فلما سمعا بخروج أم المؤمنين لحقا بها في الطريق واجتمع الثلاثة على مقصد واحد وهو التوجه إلى البصرة لجمع الناس على كلمة واحدة قبل أن تتسع الفتنة وتتشعب
وسارت القافلة أياما وليالي حتى بلغت البصرة فاستقبلهم فيها عبد الله بن عامر الحضرمي وأعانهم على دخولها وبايعهم كثير من أهلها وكان الناس في ذلك الوقت قد سمعوا أن عليا رضي الله عنه قد بايعه أهل المدينة خليفة للمسلمين فكتب إليهم علي يأمرهم بالكف عن التحرك حتى يجتمع المسلمون على رأي واحد وأن لا يزيدوا الأمر اضطرابا لكنهم كانوا يرون أن القصاص من قتلة عثمان لا يحتمل التأجيل وأن تركهم دون محاسبة سيزيد الفتنة اشتعالا
فخرج علي رضي الله عنه من المدينة في جيش كبير يريد البصرة وكان قلبه ممتلئا حرصا على جمع الكلمة وحقن الدماء وكان يعرف مكانة طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم جميعا ويعلم أنهم ما خرجوا إلا بتأويل واجتهاد وأنهم يريدون الخير للأمة وإن اختلفت الطرق فلما اقترب من البصرة نزل بموضع يسمى الزابوقة ونصب معسكرا هناك وبدأت المراسلات بين الفريقين وكان علي رضي الله عنه يبعث إليهم يدعوهم إلى الصلح ويذكرهم بحرمة الدماء ويقول لهم إن الأمر لا يصلح إلا باجتماع الأمة وإن القتلة مختلطون بالناس ولا يمكن الاقتصاص منهم إلا بعد استقرار الحكم
ثم بعث إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يقول لها ارجعي فإنك على خير وخير لك أن تقري في بيتك فإن الله أمرك بذلك وهي أم المؤمنين التي قال الله فيها وقرن في بيوتكن لكنها كانت ترى أن خروجها للإصلاح واجب وأن دم عثمان لا يجوز أن يضيع فردت بأنها لا ترجع حتى يؤخذ بثأره ثم حاول علي أن يكلم طلحة والزبير فخرج الزبير للقائه وكان بينهما ود قديم وصحبة طويلة منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم فلما التقيا ذكّره علي بحديث قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام حين قال له إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم فبكى الزبير وقال الآن أذكره ورجع إلى أصحابه وقد عزم على ترك القتال
لكن الليل كان ثقيلا والفتنة كانت أعمق من أن تنطفئ بكلمة واحدة فقد كان في الجيشين من لا يريد الصلح وكان في الناس من يخاف أن يُقتص منه وكان في القلوب اضطراب شديد وفي تلك الليلة تسللت جماعات من قتلة عثمان فأشعلوا نار الفتنة وأطلقوا السهام على الفريقين معا حتى يظن كل فريق أن الآخر هو الذي بدأ القتال فاختلط الأمر وارتفعت الأصوات واندفع الناس إلى السلاح واندلعت المعركة في صباح الثالث عشر من جمادى الأولى معركة الجمل التي سميت بذلك لأن أم المؤمنين كانت على جملها وقد اجتمع الناس حوله يحاولون حمايتها
وكانت المعركة شديدة لم ير الناس مثلها من قبل وكان أصحاب علي يقاتلون قتالا عظيما وكان أصحاب طلحة والزبير يقاتلون كذلك وكلهم من خيار الصحابة وكلهم يريد وجه الله لكن الفتنة إذا اشتعلت لا تميز بين الصالح وغيره وفي أثناء القتال أصيب طلحة بسهم فوقع صريعا وقيل إن مروان بن الحكم هو الذي رماه انتقاما لعثمان وإن كان ذلك غير مقطوع به أما الزبير فقد ترك القتال واعتزل لكنه قتل غدرا في وادي السباع فلما بلغ عليا خبر مقتله بكى وقال ذهب اليوم خير الناس أو أحد الخيرين
وحين انتهت المعركة وانكسر القتال أمر علي رضي الله عنه أن لا يمس أحد أم المؤمنين بسوء وأن تحفظ حرمتها فهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فجاء إليها بنفسه وسألها كيف رأيت يا أم المؤمنين فقالت رأيت أنك كنت أوفى الناس لعثمان لو صبرت حتى تأخذ بدمه ثم قالت لا تؤاخذني فإني سمعت من رسول الله أشياء فلم أدر أكان هذا منها أم لا فأكرمها علي وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يرافقها إلى المدينة وسار معها نفر من النساء يحفظنها كما تحفظ الأم
ثم خطب علي الناس بعد انتهاء القتال وقال لا تسبوا أصحاب الجمل فإنهم إخواننا بغوا علينا وما هم بكفار ولا منافقين ولكنهم تأولوا فأخطأوا ونحن أولى بالعفو منهم فهدأت القلوب وسكنت الفتنة قليلا وعرف الناس أن الصحابة مهما اختلفوا فهم أطهر من أن يُظن بهم سوء وأنهم اجتهدوا فأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم وأن الله قد أثنى عليهم جميعا في كتابه
وهكذا بقيت قصة الجمل عبرة للأمة كلها تعلمهم أن الفتنة إذا اشتعلت أحرقت الأخضر واليابس وأن الصحابة كانوا أعظم من أن يُنسب إليهم ظلم أو خيانة وأن احترامهم دين وسنة وأن من أحبهم أحب رسول الله ومن أحب رسول الله أحبه الله ومن قرأ هذه القصة وتأملها علم أن نشرها بين الناس يحيي في القلوب معنى العبرة ويذكرهم بأن الاختلاف مهما اشتد لا يجوز أن يتحول إلى بغضاء وأن الأمة لا تقوم إلا إذا حفظت مكانة رجالها ونسائها الذين حملوا هذا الدين أول مرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى