من يوميّات رجل مفقود… هيثم الأمين / تونس

لا أجدُ وجهي في المرآة؛
لا أجدُهُ، عند النّافذة، يلطّخُ لونه ببقع الضّوء كطفل يعبث بعلب الألوانْ؛
لا أجدُ وجهي نائما في سريري
ولا أجدُهُ في المطبخِ يُعدّ قهوتهُ!!
أنا.. رجلٌ مفقودْ…
رجلٌ غادرَ “الرّجل الذي يكره نفسهُ”
ولم يصل، أبدا، إلى رجلٍ كان يحرّضهُ على الرّحيل إليه!
منذُ أن صارت الطّرقات جراحا غائرة في قدميّ
وأنا رجل مفقودْ
ولأنّ كلّ صوري كانت تشبه “الرجل الذي يكره نفسهُ” وحدَهُ
لم تتعرّف إليّ الصّحف اليوميةُ ولا مراكز البوليس
ولا الشّوارعُ
ولا كلّ الغرباء الّذين بكوْا في عيوني…
أنا.. هنا
حيثُ لا اسم لي لأُشيرَ، به، إليّ وأُناديني،
حيثً اللّغةُ صامتةٌ كتمثيليّة لـ”شارلو”
والمأساةُ ترتدي ثوب المهرّجِ
وحيثُ العناوين كمجازات في قصيدة نثر سورياليّةٍ !
أنا هنا.. وأشعرُ بالبردْ
فرجاءً، يا امرأةً لا تعرف إلّا ظلّي
لا تفتحي النّافذةَ
إن كان صدرك لا يتكلّمُ غير لغة الحليبْ
وإن كان خصرُكِ ليس جزيرة من جزر الشّمسْ
ولا تفتحي النّافذةَ
إن كنتِ تعانين من رهاب الرّجال الذين فقدوا وجوههم.
أنا هنا
حيثُ نصف مجنون يدخّن كثيرا
رغم تحذيرات علب التّبغ وطبيب الأمراض القلبيّةِ…
حيث كرسيّ متحرّكٌ
يغنّي أغنية عن أطفال يركضون في حقل بعيدْ؛
أطفال يركضون خلف الفراشاتْ
أو، ربّما، وراء قطعة خبزٍ وبقايا حذاءْ!
وحيث أمّي مازالت تَعُدُّ أصابعَ موتها
وتعدُني بأنّها ستزورني في حلمٍ
وستجلب لي معها الحلوى التي أحبّها…
أنا.. هنا
أسألُ الرّجلَ نصف المجنونْ:
أينَ أنا؟
فينفث دخان سيجارتهِ،
يشكّلهُ على هيئة غرفة ضيّقةٍ،
يجعل أرضيّتها ماءً وسقفها سماء رماديّةَ
وبين الماء والسّماء يخلق عاصفةَ
ويقهقهُ!
“أجبني، يا سيّدي”
أصرخُ!
يعبُّ نفسا آخر من سيجارتِهِ
وينفثُ!
يُشكّل الدّخانَ عتمةً؛
في آخر العتمةِ، يخلقُ عود ثقاب يحترقْ
وفي خلفيّة المشهد مازال الكرسيّ المتحرّك يغنّي نفس الأغنيةِ!
فتُصيب الرّجل نصف المجنون هيستيريا من البكاءْ!
أنا.. هنا
وإنّه يُراقبني!
يتتبّعُني في اللّامكانْ وفي الوقت السّاكن كما الجدارْ!
إنّه يُراقبني
ويخشى أن تُفصحَ المتاهات عن أبوابها
ويخشى أكثر أن يعودَ وجهي إلى وجهي…
إنّه يُراقبُني
ويكرهني كما يكرهُ نفسهُ!
أنا.. هنا
أشعر بالبرد
والعاصفةُ أغرقت كلّ الزّوارق الورقيّة التي حمّلتُ عليها أحلامي
وظننتُ أنّها
ستنجو
لو
كانت اللّغةُ مرافئَ للشّعراءْ…
أنا.. هنا
وأصرخُ:
هل من أحد هنا ليُعيدني إلى الطّفل القديمْ،
إلى ضحكاته الأولى
وإلى بكائه قبل أن يصير البكاء رصاصة في القلب؟
أنا.. هنا
وعود الثّقاب، في آخر العتمة، احترق بالكاملِ
نحن.. هنا
ولا نرانا
نحن هنا
العتمة، العاصفةُ،
“الرّجل الذي يكره نفسهُ”،
الرّجل نصف المجنون،
الكرسيّ المتحرّك الذي مازال يغنّي عن أطفال يركضون في حقل بعيد
ورجل مفقودٌ في تمثيليّة صامتة.