رؤي ومقالات

نسيم قبها يكتب :عسكرة القطب الشمالي: صراع جديد على قمة العالم

هناك في أعالي الكرة الأرضية الباردة ، حيث كان الجليد الأزلي يحكم سيطرته الصامتة لآلاف السنين، تذوب اليوم مساحات شاسعة لتكشف عن ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي الذي لا يهدأ. تحول القطب الشمالي من منطقة علمية وتعاونية إلى ساحة لاستعراض العضلات العسكرية واستراتيجيات الهيمنة، في مشهد يعكس تحولاً خطيراً في النظام الدولي الذي بات أمريكيا بالمجمل.

الشرارة الأخيرة كانت تهديد الرئيس الأمريكي غير المتوقع دونالد ترمب بضم جرينلاند، وهي فكرة قد تبدو خيالية لولا ما تحمله من دلالات عميقة. جرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية؛ إنها بوابة استراتيجية للقطب الشمالي، وذات موقع حاسم للسيطرة على طرق الملاحة المستقبلية وموارد الطاقة الهائلة التي كشف عنها ذوبان الجليد. تقديرات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تشير إلى أن المنطقة تحتوي على 30% من الغاز الطبيعي غير المكتشف في العالم، و13% من النفط، بالإضافة إلى معادن نادرة أساسية للتقنيات الحديثة التي تريدها أمريكا لضمان قرن أمريكا خال من المنافسة الدولية .

رد الاتحاد الأوروبي بإرسال قوات إلى المنطقة لم يكن إلا حلقة جديدة في سلسلة التصعيد المشتبك ، لكنه يكشف أيضا عن تحول استراتيجي أعمق. فالرد الأمريكي على التطورات في القطب الشمالي يتخذ أبعاداً متعددة المستويات، حيث تعمل الإدارات الأمريكية على سياسة منهجية تركز على تعزيز الوجود العسكري عبر تحديث قواعد في ألاسكا، وزيادة انتشار الغواصات، وتكثيف التعاون مع حلفاء الناتو. واشنطن تدرك أن تفوقها التقليدي يواجه تحدياً ولو بعيدا ، خاصة مع التفوق الروسي الحالي في كاسحات الجليد والقدرات تحت الجليدية.

أما السيناريوهات الأوروبية فتتراوح بين عدة مسارات: تعزيز الوجود العسكري المستقل عبر قوات مشتركة، أو الاعتماد المتزايد على حلف الناتو (خاصة مع انضمام فنلندا والسويد)، أو نهج دبلوماسي-أمني مختلط. السيناريو الأكثر واقعية قد يجمع بين تعاون أمني ضمن إطار الناتو، واستثمارات في قدرات المراقبة، وقيادة دبلوماسية لتعزيز الاتفاقيات الدولية التي تحمي مصالح الاتحاد الأوروبي كقوة مدنية ذات اهتمامات بيئية واقتصادية.

التحدي الأوروبي الأساسي هو التوفيق بين اعتمادية الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، والمصالح البيئية، والمخاوف الأمنية من التمدد الروسي شمالاً. خلف هذا السباق العسكري يكمن تحدٍ وجودي: فذات الظاهرة التي تفتح القطب الشمالي للاستغلال – تغير المناخ – هي التي تهدد مستقبل البشرية جمعاء.

المستقبل يحمل أحد سيناريوهين: إما أن تتحول المنطقة إلى بؤرة توتر دائمة مع نقاط نظام ، مع انتشار عسكري متصاعد واحتمال مواجهات مباشرة مركزة ، أو أن تعود الدول إلى طاولة المفاوضات لتأسيس نظام تعاوني جديد تكون فيه أمريكا مسيطرة باتفاق . القرار الذي سيتخذه الاتحاد الأوروبي سيكشف ليس فقط عن استراتيجيته القطبية، بل عن رؤيته لدوره الباهت سياسيا ، خاصة في عالم تسوده المنافسة الاقتصادية بين أمريكا والصين ، وما يترتب على ذلك من اشتباكات سياسية وعسكرة .

عسكرة القطب الشمالي ليست مجرد تطور إقليمي؛ إنها مرآة تعكس عالماً يتراجع فيه التعاون الدولي لصالح المنافسة الصفرية. وفي الوقت الذي تتدافع فيه القوى الكبرى إلى قمة العالم، فإنها تترك وراءها أسئلة مصيرية عن مستقبل الدبلوماسية الدولية وقدرتنا الجماعية على مواجهة التحديات المشتركة. القطب الشمالي يذوب، وصبر الدبلوماسية يذوب معه، وما يتبقى هو سباق محموم نحو المجهول، حيث تذوب القيم الدولية نفسها في بحر من المصالح الضيقة والطموحات المتصادمة ، وليست غزة بويلاتها بعيدة على هذا كشاهد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى