العازف والصمت المدينة التي لا تنام…بقلم هدي حجاجي

العازف والصمت | المدينة التي لا تنام
مِن نهد الموسيقى…
يرضع الوحيدون الصمت،
ويتجرعون الفراغ كما لو كان دمًا في عروقهم،
يحملون الليل فوق أكتافهم،
ويحلمون بلحظةٍ لا يعرفها الضوء،
بل يعرفها فقط الخراب والظل.
العازف يمشي على حافة الظلال،
أصابعه تتشابك مع الأوتار كما لو كانت كائنات حيّة،
كل لحن يولد من وجعٍ قديم،
كل نفخة تنحت الصمت،
ويشعر بأن الموسيقى ليست له،
بل للمدينة، للخراب، للأشباح التي تراقبه من النوافذ المهجورة.
المدينة صامتة، لكنها تسمع كل شيء…
كل سقوط، كل تنهيدة، كل فقدٍ دفين،
كل وجعٍ لم يُعترف به، كل خيبةٍ تركت أثرًا على الحيطان.
والظلال تتلوى حوله كأنها تحاول التهامه،
تسرق أنفاسه، تمسح صمته،
وتترك له الموسيقى كعقوبة، كعزاء، وككابوسٍ حيّ.
العازف يصرخ بلا صوت،
تتناثر الأوتار في الهواء كقطع زجاج،
والصمت يبتلع كل صدى،
يبتلع الليل، يبتلع المدينة، يبتلع نفسه،
لكن الأصابع لا تتوقف،
تُعيد إنتاج الألم، تُعيد خلق الخراب،
لأن العزف أصبح وسيلة للبقاء على قيد الموت،
ولأن الفقد صار صديقًا أزليًا،
والوحدة وطنًا لا يُغادر.
حين ينتهي اللحن…
لا شيء ينتهي،
الهواء ينهار، والظلال تتحول إلى جدران،
والمدينة كلها تصبح صدىً لعزفٍ بلا مستمع،
لكل نبضة قلبٍ ميت قبل أن يُولد،
لكل حلمٍ مات قبل أن يعرف نفسه،
لكل خيبةٍ لم تُسمع، لم تُروَ، لم تُعانَ.
العازف يرضع من نهد الموسيقى،
ببطء، بلا رحمة، وبوحشية صامتة،
حتى تتحوّل أصابعه إلى شظايا ظلّه،
وحتى يصبح الصمت جسده، والموسيقى روحه،
والمدينة… المدينة تصبح أنا،
أصواتها جروحها، وضحكاتها رنين فقدي،
وأنا الوحيد الذي يعرف أن لا خلاص،
ولا ضوء،
ولا نهاية…