تاريخ العرب

القعقاع بن عمرو

القعقاع بن عمرو، القائد الذي أهان الفرس بفيلتهم الضخمة!!! (معارك العزة والنصر “القادسية”)
قبل البدأ :
📚✨ أصدقائي و أحبابي متابعي صفحة ثقافة ومعرفة: لا تبخلوا بمشاركتها منشوراتنا الهادفة مع أصدقائكم، فربما تصل المعلومة لمن لم تصله من قبل، وتكون سببًا في نشر علمٍ نافع وتاريخنا الإسلامي المجيد أو إحياء قصة من تراثنا العظيم.
بمشاركتكم… تعمّ الفائدة ويكبر الأثر إن شاء الله فالدال على الخير كفاعله🤍
القعقاع بن عمر في القادسية أيضاً. ما كان يقبل الليل ويلف بظلامه ساحة القادسية حتى وضع الجند سلاحهم، وأسلموا جنوبهم للمضاجع. فقد كان اليوم الثاني من أيام المعركة كسابقه، ثقيل الوطأة شديد البأس. لكن عين القعقاع بن عمر لم تنم، وأنا لها أن تنام والمسلمون قد نفد صبرهم وهم ينتظرون المدد القادم من الشام بقيادة هاشم بن عتبة، حتى كاد يدركهم اليأس وتذهب بهم الظنون كل مذهب؟ فعزم على أن يعيد في هذا اليوم ما فعله بالأمس.
أخذ القعقاع يُسَرِّب فرسانه الألف الذين جاءوا معه إلى المكان الذي وقفوا فيه صبيحة اليوم الماضي بعيداً عن القادسية، وأمرهم إذا طلعت عليهم الشمس أن يقبلوا على ميدان المعركة مئة إثر مئة، على أن يكون بين المئة وأختها مقدار مَدِّ البصر، وأن يشحن الجو بالغبار، وأن يملأوا الأرض بالضجيج والعجيج، ليبث في صدور المسلمين الثقة والعزم، ويشيع في نفوس الفرس القلق والخوف.
وما انطلقت الشمس وأشرقت الأرض بنور ربها، حتى طفقت الكتائب تقبل من خلف الصحراء على ساحة المعركة مكبرة مهللة، فيتلقاها القعقاع كتيبة إثر كتيبة، ويحدد لها مكانها بين الصفوف. لكن سيل الكتائب جاوز العشر، فنظر فإذا هاشم بن عتبة قد وصل بجيشه إلى مشارف القادسية مع الصباح أيضاً. ورأى هاشم فرسان القعقاع بن عمر وما يصنعون، فسر من صنيعهم، وقسم هو الآخر جنده إلى مئات، وأمرهم أن يتلاحقوا تباعاً إلى أرض المعركة.
لم يفت هذا المدد الكبير في عضد الفرس كثيراً، ذلك لأنهم كانوا قد أصلحوا توابيت فيلتهم، وجددوا وَضُنَّها وصفوها في طليعة الجيش كأنها البنيان المرصوص. ولقد كانوا على ثقة بأنها ستفتك بالمسلمين اليوم أكثر مما فتكت بهم في اليوم الأول، ذلك لأنهم احتاطوا لها هذه المرة بما لم يحتاطوا لها من قبل، فأحاطوها بالفرسان من كل جانب حتى لا يخلص إليها المسلمون فيقطعوا وَضُنَّها، ويحطموا توابيتها، ويرموا فيلتَها فتولي مدبرة، كما فعلت في اليوم الأول.
وما إن دارت رحى المعركة حتى شد المسلمون على حماة الفيلة، وشد الفرس على المسلمين الذين تصدوا لهؤلاء الحماة، فدارت حول هذه الحيوانات الرهيبة معارك ضارية، أريق فيها الغزير من الدماء، وأزهق خلالها الكثير من الأنفس. فصبر المسلمون وصابروا وتجلدوا لعدوهم وجالدوا، حتى أطاحوا بحماة الفيلة واحداً بعد آخر، فإذا هم بين قتيل أو جريح أو ناكص على الأعقاب.
لكن هذه الحيوانات الشريسة ما كادت ترى أن حماتها قد انفضوا عنها، حتى استوحشت وهاجت وهجمت على صفوف المسلمين كأنها الحصون المتحركة، وجعلت تضرب بخراطيمها الطويلة ذات اليمين وذات الشمال، فلا تبقي أمامها أحداً ولا تذر. ولم تكن لتؤثر فيها ضربات السيوف، ولم تكن لتنال منها طعنات الرماح، وما كانت النبال إلا لتزيدها ثورة وهياجاً.
شعر سعد بن أبي وقاص بالكارثة التي تشك أن تحيق بالمسلمين بسبب هذه الفيلة، وأيقن أنه إذا لم يقض عليها فسيصاب المسلمون بهزيمة لا تقوم لهم بعدها قائمة. وكان أشد هذه الفيلة وطأة على المسلمين الفيل الأبيض، وهو فيل يَزْدَجِرْدْ ملك الفرس، ثم الفيل الأجرب الذي لا يقل عنه هولاً. وكانت الفيلة الأخرى تتبعهما كأنهما قائدان لها.
استشار سعد بن أبي وقاص جماعة من الفرس الذين أسلموا في أمر هذه الفيلة، وسألهم عن مقاتلها، فقالوا: “افقعوا عيونها، واقطعوا خراطيمها، فتفشل وتذهب ريحها”. فأرسل إلى القعقاع بن عمر وأخيه عاصم وقال: “اكفيا المسلمين الفيل الأبيض”. وأرسل إلى اثنين جلدين من بني أسد وقال: “عليكما بالفيل الأجرب”.
ترجل القعقاع وأخوه عاصم عن جواديهما، واندفعا يشقان الصفوف في اتجاه الفيل الأبيض، حتى إذا أصبح قاب قوسين منه أو أدنى، سدد القعقاع رمحه إلى عينه اليمنى بينما تكفل أخوه بعينه اليسرى، وأهويا على عينيه برمحيهما في لحظة واحدة، فإذا بسنانيهما يغيبان في محجريه.
فنفض الحيوان الرهيب رأسه من شدة الألم نفضة ألقت بفَيَالِه على الأرض، وداسه ببطنه فصرعه. ثم إن الفيل دل خرطومه إلى الأرض ليتحسس به طريقه بعد أن فقد بصره، فوثب عليه القعقاع وقطعَه بسيفه قطعة.
وحمل الفارسان الأسديان على الفيل الأجرب، ففقآ إحدى عينيه، وأصابا خرطومه إصابة بالغة، فارتد على صفوف الفرس هائجاً مائجاً، ومضى يفتك فيهم فتكاً ذريعاً، فنخسوه فانقلب إلى صفوف المسلمين، فوخزه المسلمون فعاد من حيث أتى، ثم طفق يهرول جئة وذهاباً، ويصيح كالخنزير من شدة الألم. ثم اندفع نحو النهر ووثب فيه، فتبعته الفيلة الأخرى ووثبت وراءه، وطرحت فيالتها ذات اليمين وذات الشمال.
كان للقضاء على الفيلة أثر كبير لدى المسلمين وعدوهم على السواء. أما المسلمون فأيقنوا بعون الله، ووثقوا بنصره إذا هم صبروا وصابروا، وأرخصوا الدماء في سبيل الله. وأما الفرس فعوضوا عن الفيلة بالإمدادات الضخمة التي أمدهم بها مليكهم يزدجرد، فشدت من عزائمهم شدة.
أقبل الفريقان على القتال إقبال العطاش على الماء، ودارت بينهما رحى معركة ضروس تطحن الرجال والسلاح طحناً. ولما دجَّ الليل ولف الكون بشملته السوداء، لم يضع أي من الفريقين سلاحه كما كان يفعلان كل ليلة، وإنما وصل قتال النهار بقتال الليل، حتى لكأن كل منهم قد عزم على ألا يلقي السلاح إلا إذا دارت الدائرة على عدوه.
وبسبب من هذا العزم الذي عزم عليه المقاتلون، وبسبب الظلام الذي خيم على الكون، وبسبب الغبار الذي غطى ساحة المعركة، خرج الأمر من يدي سعد بن أبي وقاص قائد جيش المسلمين، كما خرج من يدي رستم قائد جيش الفرس، وفقد سيطرتهما على جيشيهما.
وقد عرف سعد أن القعقاع بن عمر زحف على الفرس من غير إذنه، فتخوف على جند المسلمين من أن تصيبهم كارثة. لكنه لم يملك سوى أن قال: “اللهم اغفر للقعقاع بن عمر وانصره، اللهم إني قد أذنت له وإن لم يستأذني”.
وزاده جزعاً على جزعه أنه رأى قبائل العرب تزحف وراء القعقاع الواحدة تلو الأخرى، فهذه أسد تندفع بقضها وقضيضها، وتلك بجيلة تزحف بخيلها ورجلها، وهذه كندة تقبل، وتلك النخع تحمل. فلم يجد بداً من أن يكبر تكبيراته الثلاثة إيذاناً بالهجوم العام، فهجم المسلمون جميعاً.
أسعر الجيشان المتقابلان لظى معركة مستطيرة الشرر، فكنت لا ترى في عتمة الليل غير عيون كالجمر تدور في المحاجر، ولا تسمع غير همهمة كالزئير تنبعث من الحناجر، ولا تبصر غير الشرر المتطاير من وقع النصال على النصال.
ولما تنفس الصبح عن تلك الليلة الليلاء التي دُعيت بليلة الهرير، كان الإعياء قد بلغ بكل من الفريقين غايته. فالسواعد قد جلت، والعزائم قد وهنت، والسيوف قد تثلمت، وتمنى كل من الفريقين أن يضع السلاح طلباً للراحة، ولم يكتب له النصر.
عند ذلك وقف القعقاع بن عمر في صفوف المسلمين وقال: “يا معشر المسلمين، إن النصر سيكون بعد ساعة لمن يثبت على القتال منكم أو من عدوكم، فكونوا أنتم الذين تصبرون هذه الساعة”. ثم شد مع طائفة من خواص رجاله على معسكر الفرس، فشد المسلمون لشدته.
لم ترتفع شمس ذلك اليوم عالياً حتى كانت صفوف الفرس تترنح تحت وطأة هجمات المسلمين. وهبت على ساحة المعركة ريح عاصفة، أطارت قبة سرير رستم من فوقه، وقذفت بها إلى النهر، فاندفع القعقاع ومن معه نحو السرير ليفتكوا بصاحبه.
فقفز رستم عنه، ولما رأى أن جند المسلمين قد أوشكوا أن يطبقوا عليه، ألقى بنفسه في النهر، فانقض عليه أحد رجال القعقاع وفلق جبينه بالسيف فلقتين. ثم صعد على سريره وجعل يصيح: “قتلت رستم ورب محمد، قتلت رستم ورب الكعبة”.
لقد كان مصرع رستم خاتمة لأعظم معركة غيرت وجه التاريخ، وكان القعقاع بن عمر بطل هذه المعركة الفذ غير منازع.
وبعد، فما دمتم أيها الأحباب الكرام قد وصلتم إلى هنا من هذا المقطع، فقد أتممتم بفضل الله القراءة، فجزاكم الله من الخير أجزله. فإن صادف قبولًا، فلا تبخلوا علينا بإعجاب وتعليق ليصل إلى غيركم، وعلى الله الأجور. ولا تحرمونا كذلك من دعوة بظهر الغيب، وإن كان من ثلمة فشأن الكرام ستر العيب. أدامكم الله خيرًا لا ينقطع أثره، ممتدًّا في الدنيا وباقيًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى