حمزه الحسن يكتب : نجوم العربات الفارغة

أول من صاغ مفهوم” مجتمع الفرجة” هو الفيلسوف جي ديبور وكتابه الشهير حمل العنوان نفسه .
في مجتمع الفرجة ـــــــــــــــ أو الإستعراض ــــــــــــ لم يعد مهماً كيف تكون من الداخل بل كيف تملك ثم المرحلة الجديدة كيف تظهر أنت أو الأحداث. الوقائع القاسية التي رأيتها بنفسك في الشارع أو الحي أو في مكان عام ليست هي الحقيقية، بل الحقيقية في الصور التي ستظهر فيها على الشاشة .
يصبح الواقع صورة وتصبح الصورة هي الواقع الأصلي. وكيف لا تصدق ان صورة الاعلان او الاشهار او الشاشة هي الحقيقية اذا كانت تظهر لك من عشرات الشاشات بالتفسير نفسه؟ عليك أن تنكر ما شاهدته وأن تصدق الصورة ، المعيار.
في مثل هذا العالم نحن لا نعيش التجربة مباشرة بل ” نشتريها” من خلال الصور والشاشة لكي نستهلكها . ما هو يعاش ليس هو الواقع بل ما نراه في الصورة أو حتى على المستوى الفردي فوجودك في مطعم أو حفل أو شاطئ أو ندوة ثقافية ليس هو المهم بل لا قيمة لها بلا صورة تنشرها لكي تؤكد حضورك في الصورة لا في مكان الحدث الذي لا يشغلك أبدا بل هو تمثيل.
في زمن ما كانت اللقاءات الخاصة والعامة تمنحنا فرصة ثقافية أو انسانية أو جمالية أو متعة، الآن هذه اللقاءات تمنحنا مكانة لكن ما يعزز هذه المكانة ليس حضورنا ولا المكان نفسه سواء كان مزاراً أو حفلة أو مأتماً أو غرفة في مستشفى بل صورة تمنحنا وضعية اجتماعية .
نحن بلا صورة عن المكان لن نصبح نجوماً ولن نكون مرئيين لذلك أن السبب الرئيس الذي يجعل أصحاب المنصات وصفحات التواصل الذين لا يظهرون كثيرا في الصور هو الثقة المفرطة بالنفس ورفض أن يبيع ” صورته” كحلم للآخرين وعيش الواقع بدل صوره والتمتع بالحياة بدل التباهي بصورها. هؤلاء السعداء الاقوياء لا يراهم أحد ولا يريدون أن يراهم أحد.
مع الوقت والتكرار تصبح الصورة وسيطاً بين الناس لا العلاقة المباشرة ويتحول الفرد الى متفرج والفرجة ـــــــــــــ حسب جي ديبور ـــــــــــــ تمنع التأمل والنقد والتفكير لأنها تقدم واقعاً كاملاً وتتحول العلاقة بالواقع وبالأشخاص علاقة مشهدية صورية بل يمكن ملاحظة أن بعض الأفراد لا يملون من تكرار صورهم بشكل يقود الى نتائج عكسية.
تصبح الصور استعراضاً مهما طليت بالاصباغ والكلمات. هذا العرض المستمر للاخرين يفقد الصورة أي محتوى جمالي أو انساني بسبب حالة ” التعويم” أي التخمة بكلمة أدق.
على الشاشات السياسية تصبح الصورة تزييفاً للحدث والحقيقة. بما ان المصور في منطقة الحدث، فهو ينقل” الحقيقة كاملة” كما لو ان الحقيقة هي ما يظهر في جزء من الصورة أو كما لو ان الحقيقة ما نراه وليس الدوافع خلفه التي لا تظهره الصورة أو في طريقة تقديم الحدث الرغبية الانتقائية.
المشاهد هنا كالداخل الى سوبر ماركت أو محل بضاعة إما يشتري الصورة ومعها التفسير ويقع في الفخ أو ينتقل الى مكان آخر بحثاً عنها كما قال الفيلسوف جان بودريار أكبر فلاسفة الغرب عبر العصور:
” نحن نعيش في عالم أصبحت فيه الصورة أكثر حقيقية من الشيء الأصلي” يمكننا بكل بساطة التجول في أي مكان وسوف نلاحظ أن الناس يرون الأماكن من خلال شاشات الهاتف كما لو انها لا توجد بلا هاتف وكيف يثبت انه كان هناك بلا شهادة ميلاد الحدث الذي يشغله أكثر من الحدث نفسه الذي لو كان مهتماً به لانهمر فيه؟
لم تعد القضية في مثل هذا المجتمع قضية تزييف للوعي وللواقع بل تتحول الى أداة سيطرة من خلال عادة تترسخ في مطاردة السراب، ومطاردة صورنا كحالة غريق لا مخرج له.
قبل أن يصيغ جي ديبو هذا المفهوم ــــــــــــــــ مجتمع الفرجة ــــــــــــــ حذرت الرواية منه ورواية 1984 لجورج اورويل كانت تحذيراً مبكراً من عالم تسيطر عليه فكرة المراقبة والشاشات وتزييف الواقع واعادة كتابة التاريخ وكما قال وينسون أحد شخوص الرواية الموظف في مكتب الرقابة:
“من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي”.
كذلك رواية “عالم جديد شجاع” ألدوس هكسلي الذي استنتج فكرة باهرة في أن التسلية المفرطة السطحية أفضل طرق العنف الناعم والقمع والسيطرة لان الواقع المزيف هو انسان مخدر.
رواية “فهرنهايت 451” – راي برادبري تنبأت هذه الرواية بدقة مذهلة بهوسنا الحالي بالشاشات. الزوجة في الرواية تعتبر شخصيات الشاشة هم عائلتها وتعيش معهم تفاعلاً عاطفياً أكثر من الزوج. بعد هذه الرواية التي صدرت عام 1963 صار الزوج هامشياً غاب أم حضر لأن البدائل على الرف ما أن يخرج أو يسافر. في زمن راي براديري كانت هناك حشمة. هذه الرواية تعتبر اليوم الأقرب الى واقع العالم .
رواية “يوتوبيا” لأحمد خالد توفيق عن مجتمع منقسم الى طبقة مرفهة وطبقة منبوذة تتحول معاناتها الى تسلية. رواية “الشفافية” مارك ليفي عن الهوس بالظهور حيث تختفي الذات الحقيقية خلف الصورة المعلنة. وتحل مكانها الذات المزيفة او الصورة التي يراد لنا أن نراها.
هذا المجتمع لم يعد عبارة عن صور نراها من بعيد بل تحول الى نظام بفضل الهواتف والحواسيب ومن نظام الى سجن، وفي السجن تتآكل الحقيقة ويختفي الواقع بل يصبح واقع الزنزانة هو الوحيد ولم يعد الاهتمام بحقيقة الاحداث والاشخاص بل هل هي مثيرة وممتعة؟ بل مع الرتابة والعادة والتكرار يبدأ السجين بالـتأقلم مع الزنزانة ورسم صور الشمس والطيور والحقول على جدرانها لكي تحل الصور محل الواقع كما في مجتمع الفرجة.
ماكان فرجة من اختصاص الممثلين في السينما وعلى المسرح، تحول الواقع نفسه الى مسرح ويستطيع أي فرد أن يلعب دوراً فيه وهناك من يبلع هذه الأكاذيب في السياسة والمجتمع بل يشتريها من خلال الاعجاب والتعليق وتتحول هشاشة الفرد الى نمط شائع ومقبول اذا تكرر ظهوره، في حين تصبح صور الحروب وضحايا العنف والفقر وذكريات الطفولة الحزينة الى صور محزنة ومفجعة ومؤلمة ومملة بعد ان تمت برمجة الوعي على صور التفاهة والكذب وسلوكيات نمطية وصور مقررة وجذابة.
وهنا يحدث ما هو أخطر وكارثي : إن عقل الانسان الذي تم حشوه بكل هذا الهراء والتلقين والافكار المزيفة يقدم معلومات زائفة للشخص نفسه كماكنة طحن وضعنا فيها تراباً لا تنتج غير التراب لان العقل هو المحتوى الثقافي وليس المادة العضوية الدماغ وهو ينتج ما يدخل فيه من علوم وتجارب وثقافة ودروس وعبر وعكس ذلك لا ينتج غير الضجيج كالعربات الفارغة ويكرر التجربة نفسها مرات ومرات لكي يحصل على نتائج مغايرة وهو التعريف الادق للحماقة بل للجنون حسب ألبرت آينشتاين:
“الجنون هو فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتوقع نتائج مختلفة.”