ماذا تعرف عن إحصاء 1962 الذي ألغاه الشرع لصالح الأكراد؟

تعتبر قضية “إحصاء الحسكة” الذي أجري عام 1962، أحد الملفات الشائكة التي يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع إلى حلها معيدا الجنسية السورية وحق المواطنة لعشرات الآلاف من الأكراد.
اليوم الجمعة، أصدر الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026 الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
وجاء في المادة الرابعة من المرسوم أنه “يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات”.
خـــلفـــــــــيـــــة:
بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع عشرينيات القرن الماضي، دخلت سوريا مرحلة الانتداب الفرنسي، في سياق إعادة رسم الحدود وتقاسم مناطق النفوذ بين فرنسا وبريطانيا وتركيا، على حساب الشعوب الأصلية.
وظلت الحدود السورية–التركية غير مستقرة لنحو 15 عاما، إلى أن استقرت عام 1939 باعتماد خط سكة حديد بغداد–إسطنبول حدا فاصلا.
وقبل ترسيم الحدود الحديثة، كانت الجنسية العثمانية هي الإطار القانوني الجامع لسكان المنطقة. ومع قيام الكيانات الجديدة، اعتمدت سلطات الانتداب الفرنسي المبدأ المكاني أساسا لمنح الجنسية، بحيث يمنح كل من كان يقيم ضمن حدود الدولة السورية الجديدة جنسيتها، وتسحب منه الجنسية العثمانية.
غير أن هذا التحول القانوني أصاب المناطق الكردية في شمال وشرق سوريا بخلل عميق، نتيجة تقسيم العشائر والعائلات الكردية بين دول حديثة النشوء. ومع الكثافة السكانية الكردية على الحدود، برزت مبكرا دعوات داخل النخبة السورية، من بينها ما نسب إلى محمد كرد علي، لإجراء تغييرات ديموغرافية خشية نشوء كيان كردي مستقل.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة، اتخذت هذه المخاوف طابعا أمنيا ممنهجا، توج بتقارير رسمية دعت صراحة إلى تجريد الكرد من الجنسية وإضعاف هويتهم الثقافية.
في 23 آب/أغسطس 1962، صدر المرسوم التشريعي رقم 93 عن رئيس الجمهورية آنذاك ناظم القدسي، ونص على إجراء إحصاء سكاني استثنائي في محافظة الحسكة فقط، استنادا إلى قرارات حكومية سابقة.
ونص المرسوم على:
إجراء الإحصاء خلال يوم واحد فقط.
تشكيل لجنة عليا لاحقا لتثبيت النتائج في سجلات الأحوال المدنية أو رفضها.
اشتراط إثبات الإقامة في سوريا منذ عام 1945 كحد أدنى.
أُجري الإحصاء في 5 أكتوبر 1962، وأسفر عن تصنيف الكرد في الحسكة إلى ثلاث فئات قانونية:
مواطنون سوريون احتفظوا بالجنسية.
أجانب: جُرّدوا من الجنسية وسُجلوا كأجانب مقيمين.
مكتومو القيد: غير مسجلين أصلا في سجلات الأحوال المدنية.
وبررت السلطات القرار حينها بأن المجردين من الجنسية “مهاجرون من تركيا”، على خلفية الثورات الكردية في عشرينيات القرن الماضي، رغم أن غالبية سكان الحسكة كانوا مقيمين في المنطقة منذ الثلاثينيات، أي قبل ضم الجزيرة العليا إلى سوريا.
خالف إحصاء الحسكة بوضوح معاهدة لوزان (1923) التي نصت في مادتها 30 على منح جنسية الدولة الجديدة لكل من كان مقيما على أراضيها، والمرسوم الفرنسي رقم 2825 لعام 1924 الذي اعتبر كل من يقيم في سوريا بتاريخ 31 أغسطس 1924 مواطنا سوريا.
وبرزت مفارقات صارخة، منها تجريد شخصيات وطنية معروفة من الجنسية، مثل اللواء توفيق نظام الدين، القائد السابق للجيش السوري، وشقيقه الوزير عبد الباقي نظام الدين، رغم امتلاك عائلتهما مساحات واسعة من أراضي القامشلي.
وحتى عام 2011، أظهرت سجلات مديرية النفوس في الحسكة 346 ألف كردي مسجلين كأجانب، و171 ألف كردي من مكتومي القيد، أي أكثر من نصف مليون شخص محرومين من الجنسية، دون احتساب المهاجرين غير المسجلين.
وأدى فقدان الجنسية إلى حرمان شامل من الحقوق المدنية، أبرزها منع الترشح والانتخاب والعمل السياسي، وعدم السماح بالتوظيف في القطاع العام، حظر التملك العقاري وتسجيل المركبات، وقيود شديدة على السفر، وحرمان المرأة السورية من منح جنسيتها لزوجها وأبنائها إن كانوا مكتومي القيد، والاكتفاء ببطاقات تعريف صادرة عن المختار بدل الهوية الرسمية.
وفي أبريل 2011، وفي سياق الاحتجاجات الشعبية، أصدر بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 49 القاضي بمنح الجنسية للمسجلين في سجلات “أجانب الحسكة”.
وبحسب بيانات رسمية وحقوقية، حصل حتى 2018 نحو 326 ألف كردي من فئة الأجانب على الجنسية، وبقي قرابة 20 ألفا دون جنسية، ومن مكتومي القيد، جرى تجنيس 50 ألفا، وبقي نحو 41 ألفا دون تصحيح أوضاعهم.
غير أن النظام ميز المجنسين حديثا بشيفرات خاصة على هوياتهم (إضافة الرقم 8)، ما أثار مخاوف حقوقية من إمكانية سحب الجنسية مستقبلًا.
كما لم تفتح مراكز تجنيس في السفارات، ولم تعتمد آليات إلكترونية لمعالجة ملفات عشرات الآلاف من الكرد السوريين المقيمين في الخارج.
لم يكن إحصاء الحسكة 1962 إجراء إداريا عابرا، بل سياسة ممنهجة لإعادة هندسة التركيبة السكانية والسياسية في شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من خطوات التجنيس الجزئية بعد 2011، ما تزال آثار الإحصاء قائمة حتى اليوم، بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ الدولة السورية الحديث.