من شهادة مسؤول أمريكي سابق: كيف فشل “سيناريو مادورو” في إيران، مثلما فشل سابقاً في العراق؟

كتب:هاني الكنيسي
سكوت ريتر (Scott Ritter) هو مفتش الأمم المتحدة السابق الذي كان مكلفًا بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق (1991 إلى 1998)، وهو أيضا ضابط استخبارات سابق في مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، لكنه أصبح بعد تقاعده أحد أبرز منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ومن هنا تكمن قيمة كلامه عن “خبايا” فشل مهمة السي آي ايه CIA الأمريكية والموساد الإسرائيلي مؤخراً في إيران، وبالتحديد في “تهيئة الميدان باضطرابات وفوضى واغتيالات بما يسهّل عملية القصف الجوي لاحقاً ثم إسقاط النظام”، حسب سرديته.
وبرغم خطورة ما زعم من معلومات -في أحدث حلقات البودكاست المصور- عن تفاصيل العملية الاستخباراتية السرية بين ظهراني المحتجين الإيرانيين، فقد وجدت (شخصيًا) أن الإثارة أكبر في روايته “كشاهد عيان” عن محاولة الاستخبارات الأمريكية “خطف” الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين من داخل قصره في تسعينيات القرن الماضي، في سيناريو مطابق لعملية اختطاف الرئيس الفنزويلي ‘مادورو’ بمشهد صعق العالم – لفرط سيرياليته.
المهم أن شهادة ‘ريتر’ تؤكد المزاعم التي أعلنها وزير الخارجية الإيراني ‘عباس عراقجي’ في مؤتمره الصحفي بطهران، معززاً إياها بصور ولقطات عرضها علي الشاشة، وخلاصتها أن “عملاء اندسوا بين المتظاهرين وزوّدوهم بالأسلحة وأعطوهم توجيهات لإشاعة الفوضى”. كما أنها تتوافق مع الرسالة التي بعث بها ‘عراقجي’ إلي الأمين العام للأمم المتحدة ‘غوتيريش’ مؤكدا أن لدي طهران أدلة موثقة عن دور الجهات الأجنبية في إضرام المظاهرات الشعبية وفي قتل المتظاهرين بل و”قطع رؤوس البعض منهم”. ولا تبتعد كثيراً عن المتداول -في الإعلام التركي خصوصاً- حول نجاح الأمن الإيراني في إجهاض عملية مشتركة للموساد والسي آي ايه في إيران، وحول “قتل واعتقال معظم المتعاونين” (وهي النظرية الشائعة مؤخرا في تفسير سبب تراجع ترمب في اللحظة الأخيرة عن الأمر بقصف إيران، وإصراره علي شرط منع الإعدامات .. أي إعدام العملاء).
يقول المسؤول الأممي والاستخباراتي الأمريكي السابق “العملاء الذي جندهم الموساد والسي اي ايه داخل إيران لإضرام المظاهرات وإفشاء الفوضى والتخريب سقطوا بين قتيل ومعتقل لدى الأمن الإيراني. معظم الستة آلاف قتيل في هذه المظاهرات هم من الجواسيس المحليين .. طبعاً سقط أبرياء في الاشتباكات، لكن أغلب من قتلهم ‘الباسيج’ كانوا عملاء مندسين”.
ويضيف “عناصر السي آي ايه ليسوا علي الأرض في إيران. هم يتسكعون في كردستان وأذربيجان، وربما قرب حدود بلوشستان باكستان. لكن معظم التخابر مع المجندين داخل إيران يتم عن بعد، بالتحديد عبر الهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية وعن طريق شبكة ستارلينك (المملوكة لإيلون ماسك). أما القيادات، فيجلسون في غرف التحكم عن بعد بأحد أجنحة ‘لانغلي’ في فيرجينيا (المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية)، يطالعون الخرائط الضخمة، ويرسلون الإشارات ويحركون القطع، وكأنها لعبة”.
ثم ينتقل ‘ريتر’ إلي “معلومة كاشفة”، لا يفصح عن مصدرها، فيقول بثقة “المثير أن الأمن الإيراني تحصّل على هواتف أولئك العملاء، وعثر في العديد منها على الرسالة نفسها من سيدة تتحدث الفارسية وترتدي علم الشاه، كانت تعطيهم التعليمات حول ما يجب فعله إذا ما وقعوا في قبضة السلطات: كل ما عليك أن تفعله هو أن تسب المعارضين المغتربين وأن تردد أنك وطني عاشق لتراب إيران لكنك غاضب من سياسة الحكومة”.
ويستطرد موضحًا “هذه المرأة إسرائيلية من الموساد. وقد فعلت السي اي ايه الشيء نفسه باستخدام ‘ستارلينك’ .. لدينا الأموال، وقنابل المولوتوف جاهزة للاستخدام.. اجمعوا الناس في هذه المنطقة .. أحرقوا هذا البنك .. اضرموا النار في السيارات وفي صور المرشد الأعلى ورموز السلطة”.
وعند هذه النقطة يصل مفتش أسلحة الدمار الشامل سابقاً إلى المقارنة “الدرامية”، التي أعتبرها نقطة الإثارة أو الذروة الدرامية في شهادته؛ ليس فقط لرمزيّتها في استدعاء مشهد ‘مادورو’ الهوليوودي، وإنما الأهم لأنه يروي تفاصيل مشهد كان هو شخصيا أحد أطرافه وشهوده.
يقول ‘سكوت ريتر’ بانفعال واضح “ما يحدث في إيران اليوم حدث مثله سابقًا في العراق، وقد كنت شخصيا جزء من الملف العراقي .. ليس في كواليس التخطيط، لكنني كنت على اطلاع بما تفعله استخباراتنا هناك. لقد استخدموا فريق التفتيش الدولي التابع لي .. زرعت ‘سي آي ايه’ 12 عنصراً متنكراً في فريقي صيف 1996 لاغتيال صدام حسين. كانوا هناك علي الأرض، وكان المفترض أن يتواصلوا مع الكتيبة الثالثة من الحرس الجمهوري الخاص بالرئيس. تلك الكتيبة لم يُسمح لي بتفتيشها برغم أنني طلبت ذلك، لكنهم قالوا: لا عليك،نحن نتولى الأمر. والحقيقة أنهم اشتروا ذمم قيادتها.
“كانت الخطة أن يتم تنظيم فاعلية أو حدث تتيح للجيش الأمريكي استخدام صواريخ كروز للقضاء على الحرس الجمهوري، باستثناء الكتيبة الثالثة التي كان المفترض أن تسمح للعناصر ال12 المدسوسين في فريقي بدخول القصر واعتقال صدام حسين، ثم نقله خارج البلاد (*ألا يذكرنا ذلك بمشهد طازج؟).
“كانت تلك هي الخطة المرسومة، لكن السي آي ايه لم تدرك آنذاك أن كل من أرسلوهم للتعامل مع الجانب العراقي كانوا يُعتقلون فور عبورهم الحدود. كان لدى العراقيين أجهزة استطلاع ومراقبة حدودية جيدة، وعندما أمسكوا بالعملاء المحليين خيّروهم بين التعذيب حتى الموت وقتل أفراد عائلاتهم أمامهم، وبين تركهم يعيشون مع راتب تقاعد مضمون (ثم قتلهم لاحقا) مقابل التظاهر بأن شيئا لم ينكشف وبالاستمرار في اللعبة مع الأمريكان. وبالفعل واصل أولئك إرسال الإشارات المتفق عليها واستلام الرسائل المشفرة. وفي النهاية، عندما أمسك العراقيون بالخيوط كلها، اتصلوا برئيس محطة السي اي ايه في العاصمة الأردنية عمان، وقالوا له: كنا نقرأ رسائلك أولا بأول، حظا سعيدا” (يعني حاجة كده زي “شكرا لحسن تعاونكم” بطريقة المخابرات المصرية في ختام مسلسل ‘دموع في عيون وقحة’ لعادل إمام).
تنويه: السردية بكل تفاصيلها علي عهدة راويها ‘ريتر’، وليس لكاتب المنشور علاقة بالأحداث المذكورة أو بتبني صحتها .. وهو أيضا غير مسؤول عن أي تشابه في الأحداث أو الشخصيات من وحي خيال القارئ