كتاب وشعراء

المدلول المتعالي في الأدب…. بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

المدلول المتعالي هو ذلك المعنى الذي لا يُستنفَد في حدود الدلالة المباشرة، ولا يُختزل في الوظيفة الإخبارية للغة، بل يتجاوز سطح العبارة إلى أفق رمزي، وجودي، روحي أو قيمي. إنه المعنى الذي “يعلو” على اللفظ، ويقيم في المسافة بين ما يُقال وما يُفهم، بين العلامة وما توحي به، بين اللغة وصمتها.
في الأدب، لا يكون المدلول المتعالي معنىً ثابتًا أو مغلقًا، بل أفقًا مفتوحًا للتأويل، يتشكل عبر التوتر بين النص والقارئ، وبين البنية اللغوية والتجربة الوجودية.
أولًا: المدلول المتعالي بين اللغة والتجربة
اللغة الأدبية لا تُحيل فقط إلى أشياء أو أحداث، بل تُحيل إلى حالات وجودية:
الحب لا يدل فقط على علاقة،
الموت لا يدل فقط على نهاية،
الوطن لا يدل فقط على مكان.
حين يقول الشاعر:
“وطني حقيبةُ وجعي”،
فهو لا يصف وطنًا جغرافيًا، بل يستدعي مدلولًا متعاليًا:
الوطن بوصفه ذاكرة، جرحًا، هوية، فقدًا، وعدًا مكسورًا.
المدلول المتعالي إذن يولد حين تفشل الدلالة الحرفية في احتواء التجربة، فتتدخل الصورة، والرمز، والإيقاع، والصمت، لتوسيع أفق المعنى.
ثانيًا: المدلول المتعالي والرمز
الرمز هو الجسر الأوضح نحو المدلول المتعالي.
فالليل قد يدل على:
الحزن،
القلق،
المجهول،
الموت،
أو حتى الخلاص.
ولا يُحسم معناه إلا داخل التجربة النصية، لا في القاموس.
في الأدب الصوفي، مثلًا:
الخمرة ليست خمرًا،
والمرأة ليست جسدًا،
والرحلة ليست سفرًا.
كلها إشارات إلى مدلولات متعالية:
المعرفة، الفناء، الاتحاد، الكشف.
ثالثًا: المدلول المتعالي والقارئ
المدلول المتعالي لا يُمنَح جاهزًا، بل يُبنى في فعل القراءة.
هو نتيجة تفاعل:
أفق النص،
وأفق القارئ،
والسياق الثقافي والوجودي لكليهما.
لهذا تختلف القراءات:
قارئ يرى في القصيدة حزنًا،
وآخر يراها خلاصًا،
وثالث يراها احتجاجًا.
المدلول المتعالي ليس معنى واحدًا، بل طاقة دلالية قابلة للتجدّد.
رابعًا: المدلول المتعالي والكتابة الإبداعية
الكاتب لا يصنع المدلول المتعالي مباشرة، بل يهيّئ شروط ظهوره عبر:
الكثافة اللغوية،
الانزياح،
الصورة المركبة،
الإيقاع،
الغموض المنتج لا المعتم.
حين تُكتب الجملة بحيث تقول أقل مما توحي،
وحين يُترك في النص فراغٌ للتأويل،
يولد المدلول المتعالي كضوءٍ لا يُرى إلا في العتمة.
خلاصة:
المدلول المتعالي في الأدب هو:
المعنى الذي لا يُقال كاملًا،
الحقيقة التي لا تُمسك إلا مجازًا،
التجربة التي تفوق اللغة لكنها تمرّ عبرها.
إنه ليس ما يقوله النص،
بل ما يوقظه في القارئ،
وليس ما يُفهم مرة،
بل ما يُعاد اكتشافه كلما أُعيدت القراءة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى