تاريخ العرب

صليب القدس: قصة صلاح الدين وتسامحه

كانت شمس صيف عام 1187م تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف أسوار القدس، المدينة التي طالما تاقت إليها قلوب المؤمنين من كل حدب وصوب. في تلك الأمسية المصيرية، كان السلطان صلاح الدين الأيوبي يجلس في خيمته المتواضعة خارج الأسوار، مطرق الرأس، مفكراً في المصير الذي ينتظر المدينة المقدسة.
“يا مولاي، الجنود ينتظرون أوامرك للاقتحام النهائي.” دخل القائد بهاء الدين قراقوش بخشوع.
رفع صلاح الدين رأسه، وعيناه تعكسان ثقلاً تاريخياً يحمله على كاهليه. “لا… ليس الليلة. دعوا أهل المدينة يناموا بسلام هذه الليلة. غداً سندخل بالسلام، لا بالحرب.”

في اليوم التالي، فُتحت أبواب القدس بعد مفاوضات سلمية. دخل صلاح الدين المدينة كفاتح متسامح، لا كغازٍ متعطش للدماء. تسلق درجات المسجد الأقصى، الذي حوله الصليبيون إلى قصر وكنيسة، وأمر بإزالة الصلبان والتماثيل التي نُصبت فيه، ثم أذّن المؤذن للصلاة لأول مرة منذ 88 عاماً في هذا المكان الطاهر.
وفي تلك اللحظة التاريخية، بينما كان المؤذن يصدح بالتكبير، لاحظ صلاح الدين صليباً ذهبياً كبيراً ما زال مثبتاً على قبة الصخرة. نظر إليه الجنود والمساعدون، وتوقعوا أمراً فورياً بإزالته.
لكن السلطان أشار بيده: “دعوه… دع الصليب يبقى.”
ارتج المشهد. تعالت همهمات الاستغراب بين الجنود.
فسر السلطان بهدوء: “هذا الصليب يذكرنا بأننا لسنا أفضل من الذين سبقونا إلا بالرحمة والتسامح. دعوه يذكرنا دائماً أن هذه الأرض مقدسة للجميع.”

بعد أيام، بينما كان صلاح الدين يتفقد شؤون المدينة، سمع بكاءً يأتي من أحد البيوت. دخل ليجد عائلة صليبية – أمّاً وطفليها – تجلس بجانب جثة الأب الذي توفي من المرض قبل أيام من سقوط المدينة.
نظر السلطان إلى المرأة المكلومة وقال بلطف: “لك الحق في البقاء في منزلك، أو المغادرة بأمان.”
ردت المرأة بصوت مرتجف: “مولاي، زوجي… أريد دفنه في الأرض المقدسة.”
أمر صلاح الدين فوراً بتوفير كل ما يلزم للجنازة، وحضر بنفسه مراسم الدفن في مقبرة للمسيحيين خارج الأسوار. وعندما انتهت المراسم، قدم للمرأة مالاً وحماية لتسافر إلى عكا حيث أقاربها.
“لماذا تفعل هذا لمُحاربة أمس؟” سأل أحد مستشاريه فيما بعد.
أجاب صلاح الدين: “لأن العدل ليس للصديق فقط، والرحمة ليست للمسلم وحده. الفاتح الحقيقي هو من يفتح قلوب الناس، لا المدن فقط.”

في الأسبوع التالي، اجتمع قادة الصليبيين المهزومين مع صلاح الدين لترتيب شؤون الأسرى والفدية. قدم ريتشارد دي تاورين، أحد النبلاء الكبار، وهو مكبل اليدين، وخلفه ابنته الصغيرة إيزابيلا التي لم تتجاوز العاشرة.
“المفاوضات تتعلق بالكبار فقط، لم تُحضر الطفلة؟” سأل صلاح الدين.
أجاب النبيل بإحباط: “لم أجد من يتركها عنده، جميع أقاربنا إما قُتلوا أو أُسروا.”
أمر السلطان فوراً بفك قيود الأب، ثم التفت إلى الطفلة وقدم لها قطعة حلوى. “خذي أباك واذهبا بسلام. لا فدية عليكما.”
“ولكن يا مولاي، هذا أحد قادتهم الكبار!” اعترض أحد القادة.
“الرحمة في وقت القدرة تثبت الإيمان أكثر من ألف صلاة في وقت الأمن.” رد صلاح الدين.

بعد شهر من تحرير القدس، بينما كان صلاح الدين يتفقد مستشفى المدينة، لاحظ ازدحاماً غير عادي. سأل الطبيب الرئيسي: “لماذا هذا العدد الكبير من المرضى؟”
“معظمهم من الصليبيين الفقراء الذين لم يستطيعوا دفع الفدية، يا مولاي. يمرضون في المخيمات.”
أمر صلاح الدين على الفور بفتح المستشفى للجميع بغض النظر عن الدين، وتخصيص ميزانية لدواء المرضى من الفقراء الصليبيين. كما سمح للرهبان والراهبات بالاستمرار في خدمة مرضاهم.
“المرض لا دين له، والشفاء حق للجميع.” قال لمساعديه.

بعد عام من تحرير القدس، زار المدينة راهب مسيحي من أوروبا، يدعى ثيودوريك، كان قد سمع عن تسامح صلاح الدين فأراد أن يرى بنفسه. قابل السلطان وسأله بجرأة:
“كيف تغفر لأولئك الذين ارتكبوا المذابح في المدينة عند احتلالهم لها قبل 88 عاماً؟”
فكر صلاح الدين قليلاً ثم أجاب: “القدس شهدت دماءً كثيرة باسم الله. لكن الله أرحم من أن يرضى بقتل الأطفال والضعفاء باسمه. التسامح ليس ضعفاً، بل هو القوة الحقيقية. أن نقتدي بسيف العدل لا بسيف الانتقام.”
أخرج السلطان من جيبه صليباً صغيراً من الذهب. “هذا الصليب وجدته في المسجد الأقصى يوم التحرير. أحمله معي دائماً ليذكرني أن الإيمان الحقيقي ليس في هدم معابد الآخرين، بل في بناء جسور بين القلوب.”

ظل صلاح الدين يحكم القدس برحمة وتسامح نادرين في عصره، مما جعل سيرته تتناقلها الأجيال عبر القرون. وبعد وفاته، بقي الصليب الذهبي على قبة الصخرة سنوات عديدة، شاهداً على أن التسامح في زمن الانتصار هو أعلى درجات الإيمان والإنسانية.
لقد علم صلاح الدين الأيوبي العالم أن الفتح الحقيقي ليس بالسيوف، بل بالقلوب، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي تترك للخصم كرامته وإنسانيته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى