رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : ثمن الحرية

ـ نهرب ونصبح منقذين، ونخون ونصبح أبطالاً * الشاعر أنسي الحاج.
لطالما كان هذا السؤال محيراً: ما الذي يجعل من منفي يراقب منفياً ويتصرف كوصي عليه وهم في نظام مختلف يعتبر هذا السلوك الرقابي الوصائي جريمة؟ قد تفسر الظاهرة في ان الهاربين من القمع يحملون معهم الرقيب الداخلي المزروع فيهم ولكي يشعر بالقيمة يمارس السيطرة على ضحية أخرى أو تحويل المنفى الى سوق مزايدات واستعراض وطنية زائفة عندما يجعل نفسه وصياً على منفيين بفرض سلطته عليهم ومنحهم هوية وطنية او هوية الخونة ويتحول الى مرجع اخلاقي في توزيع أو سحب هويات اخلاقية كما يشتهي دون تأمل سيرته وذاته المنخورة.
عندما يقرر الآخرون العيش كما يحبون في مكان جديد وقوانين جديدة وحياة جديدة يراها الآخر الوصي كتهديد له وخروج عن طاعته لأن ” نظام الرقابة” لم يعد يعمل كمؤسسة سلطوية خارجية بل كمشاعر وأحاسيس وأفكار مشوهة داخلية.
وهذه الظاهرة المنحرفة تتواجد خاصة في تجمعات ايديولوجية موحدة وطبيعة هذا النوع من الانتماء القطيعي تتطلب تحديد هويات الاخرين ولو كانوا في أقاصي الأرض ـــــــــــ خائن أم عدو أم صديق ـــــــــــــ وهذا الاختزال يمنحه هوية زائفة في انه سلطة وجزء من الجماعة” النقية” كهروب من عار داخلي وشعور بالعزلة الداخلية التي تظهر على عكس حقيقتها.
هذا السلوك هو اعادة انتاج القمع في المنافي ومحاولة مضللة لاعادة بناء ذات محطمة من خلال تحطيم ذات الآخرين ولو في مكان مختلف.
عندما تنقلب الأوضاع ويتحول المنفيون الى سلطة، فإن سلوك الوصاية والرقابة يتحول من دفاع ذاتي عن العزلة الى منهج وادارة الدولة والسلطة.
هذا ” التحول ” الخطير هو ما حذر منه المفكر والمناضل فرانز فانون في ان الضحية المتسيدة ما لم تنعطف نحو بناء مؤسسات العدالة والديمقراطية، ستعيد إنتاج نظام جلادها الأصلي كتعويض عن عقدة الشعور بالدونية التي زرعها فيهم خلال سنوات القمع ولكنه تعويض جبان.
وهو ما يفسر فشل كثير من حالات التحول من نظام قمعي الى آخر يعيد انتاج القمع بعناوين أخرى للتنفيس عن عقدة الشعور بالدونية التي لا يعرف كيف ” ينفس” عنها بغير هذه الوسائل القذرة لأنه لا يعرف نموذج آخر غير القمع الذي يعني ممارسة ما سلب منه: القمع، الاقصاء، ذهنية الوصي، كما أن الخوف من العودة الى المنطقة غير الآمنة السابقة يجعله في حالة استنفار لضمان سيطرته على المركز .
عندما يتحول المنفي الى سلطة، يتحول الى مرجع اخلاقي وسياسي ورمز للنضال وتتحول المعاناة الى حق في الرقابة والوصاية وفي محاسبة الآخرين ويتحول هو بقرار منه الى معيار” أين كنتم عندما كنت في السجن أو المنفى؟” وهؤلاء لم يكونوا في فردوس بل في جحيم اسمه وطن وفي مرحلة الحصار باعوا حتى أثاث المنزل من أجل العيش وكان هو إما في منفى مرفه أو مختبئاً في جحر بلا خوف ولا قلق وهارب من حرب صارت مطحنة وتحول فيها الرجال الى علف منافع وتحولت المقابر الى مزارات في الأعياد.
تصبح النجاة من القمع السابق بطولة، وتتحول الى ميزة، وتتحول معركة الحرية الى معركة شخصية تستحق المكافأة عن ” خدمة وطنية” في حين ان من الطبيعي أن يدافع الانسان عن حريته وحياته مثل أي طائر أو حيوان أو شجرة.
السيد الجديد يريد ثمناً ممن عاشوا في الوطن وعانوا أكثر مما عانى دون أن يطالبوا بثمن للتضحية في كونهم على قيد الحياة.
في كتابه” تعليم المقهورين” يرى الفيلسوف البرازيلي باولو فريري إن المقهور المنفي يرى أن قمة الحرية ليست في التحرر من القمع، بل في أن يصبح هو نفسه “قاهراً”. وهي الفكرة المحورية في فلسفة فرانز فانون الذي كان يرى في أن أفضل وسيلة انتقام من الماضي ليست في اعادة انتاجه وليس في التعويض القهري الجبان على ضحايا عزل بل في بناء العدالة.
قبل سقوط النظام والاحتلال كنا نحذر من تحول الوطن الى منفى كما تحول المنفى الى وطن من خلال ذهنية الرقابة والوصاية. عندما يصبح المنفي سلطة دون تحرر داخلي من عقد وعاهات الماضي، لا يتغير النظام الجديد بل تتغير فقط هوية الجلاد وبالنسبة له ان الانسان الوحيد هو الذي يملك سلطة وممارسة القهر معتقداً ان هذه طريقة لحماية النظام وتحويل السلطة الى فرصة إنتقام وعندما يطالب الناس بالعدالة والحقوق، يستعمل مظلوميته كشعار عن تحمله قسوة ظروف دفاعه عن حريته وكرامته، وتتحول المعاناة الى إمتياز ليس لمن عاش في الوطن وتحمل الكثير من المآسي، بل لمن هرب منه وعاد بطلاً يريد ثمن نجاته ويصبح حب هؤلاء كما قال باولو فريري:
” ليس حباً لمن استعادوا إنسانيتهم، بل هو حب للامتيازات التي كان يتمتع بها مضطهدوهم”.
ـــــــــــــــ صدرت روايتنا ” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” عام 2000 قبل سرقته بسنوات. أورستا: بلدة نرويجية صغيرة عشت فيها سنوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى