
بعد أن استنجد ملوك الطوائف في الأندلس بقائد المرابطين يوسف بن تاشفين لصدّ خطر ملوك قشتالة، عبر بجيشه من المغرب وخاض معركة الزلاقة سنة 479هـ، وحقق نصرًا عظيمًا أنقذ الأندلس مؤقتًا من السقوط.
لكن يوسف بن تاشفين لاحظ بعد ذلك أمرًا خطيرًا:
ملوك الطوائف – وعلى رأسهم المعتمد بن عباد ملك إشبيلية – لم يتوبوا عن أخطائهم، بل عادوا إلى:
التحالف مع الملوك النصارى،
دفع الجزية لهم،
التناحر فيما بينهم،
وتقديم مصالحهم الشخصية على مصلحة الأندلس.
رأى يوسف بن تاشفين، بعد استشارة الفقهاء والعلماء، أن بقاء هؤلاء الملوك خطر على الإسلام والأندلس، فقرر ضمّ الأندلس إلى دولة المرابطين وعزل ملوك الطوائف واحدًا بعد الآخر.
سقوط المعتمد بن عباد
قاوم المعتمد في البداية، ثم أُسر سنة 484هـ.
ورغم أن المعتمد كان من أكثر ملوك الطوائف تحالفًا مع الإسبان، ورغم الدماء التي سالت بسبب سياساته، رفض يوسف بن تاشفين قتله.
عندما توسّط له الفقهاء والوجهاء مستعطفين، قال يوسف كلمته الشهيرة التي لخصت فلسفته في الحكم:
لم يكن ذلُّ المعتمد ذلَّ رجل، بل ذلَّ أمة كاملة، لأنه فتح أبواب الأندلس للعدو.
قرار يوسف بن تاشفين
لم ينتقم.
لم يسفك دمه.
لكنه نفاه إلى أغمات في المغرب.
نزَع عنه الملك والجاه والسلطة.
وأبقاه مع أسرته ليعيش مصيره بعيدًا عن الحكم.
نهاية المعتمد
في أغمات عاش المعتمد حياة شديدة القسوة:
بعد أن كان ملكًا، أصبح فقيرًا.
خرج مع زوجته اعتماد الرميكية يبيع الحطب.
كان الناس يبكون لحاله عندما يعرفونه.
تحولت مأساته إلى شعر خالد، يُدرّس ويُروى.
وتوفي سنة 488هـ / 1095م، في العام نفسه الذي سقطت فيه طليطلة بيد النصارى، وكأن التاريخ أراد أن يقول:
إن التفريط في الأوطان يبدأ من التفريط في المسؤولية.
مغزى القصة
القصة ليست انتقامًا، بل درسًا سياسيًا وأخلاقيًا:
يوسف بن تاشفين لم تحكمه العاطفة.
ولم ينسَ فضل المعتمد السابق في الجهاد.
لكنه قدّم مصلحة الأمة على بكاء الأفراد.
فكان حازمًا بلا قسوة، وعادلًا بلا ضعف.
إنها قصة حاكمٍ فهم أن دموع الرحمة لا يجوز أن تُغرق أوطانًا كاملة.