
المطر
ليس انسكاباً للماء من شهقة السماء
المطر ذاكرة الأرواح
حين تتوضأ بالغياب
حنين سرّي يسكن مسام الأرض
أقف الآن
أستنشق رائحته كأنني أستعيد وجوهاً
غارت في الضباب
أسترد أصواتاً ما زال رنينها
يقض مضجع الصمت
أرى عجوزاً جارةً لنا تردد
عزك يا عزيز
وكأن المطر ليس غيثاً
بل عهد مع الوجود
يقول إن الماء كرامة الفقراء
حين يفتح لهم باب المسافة حضوراً
المطر
به أشعر أنني سُؤال يرفض الإجابة
بين برق يفتح رئة النور
ورعد يعلن مَخاض الأرض من جديد
المطر
يذكرني أن الطفل فيَّ لم يزل يقظاً
يرى في كل قطرة معنى أزلياً
يمد ذراعيه
ليحتضن مساحة الدهشة
المطر
أنين ينبثق من المزاريب
كحناجر طيور مَبحوحة
يدا أمي المحمرتان وهي تَلُمُّ الغسيل
كأنها تَلُمُّ شتات قلوبنا من المنافي
أبي الذي كان يَمَسُّ الطين
كأنما يلمس جسد الذاكرة
فتنهض العصافير بترتيلتها الأولى
وجدتي التي كانت توصد باب الحظيرة
كأنها توصد ثُقْب الغياب
المطر
ليس حدثاً عابراً بل سِفْر مفتوح
على صفحة الأبد
قصيدة بلا أبجدية
يقرؤها من رفع رأسه وأغمض حواسه
حضور خفي
يخبرني أنني لم أزل حياً
حين أتنفس خِلسة
وأشارك الأرض أنينها البكر
المطر يطل بي على فراغ لا ينتهي
كأنني سؤال يكتب نفسه
بحبر السماء الصامت