
وقفتُ على الرصيف المقابل أتأمّل المبنى العتيق وأتذكّر؛ كيف كنتُ أجري وأرتمي في أحضانه وأنا أشعر أنّي صغير. الآن، ورغم مرور خمسين عامًا، ما زلتُ أشعر أنّي صغير حين يواجهني.
كان الطلاء المتقشّر خرائطَ لذاكرةٍ لا تحتاج إلى دليل، والنوافذ العالية عيونًا نصف مغمضة، تراقب العابرين وتعرف من يعود. رائحة الخشب القديم شدّت أنفاسي، كما لو أنّ المكان يُعيد ترتيب قلبي على مقاسه الأوّل.
دفعتُ الباب الحديدي، فأنّ أنينًا خافتًا؛ لا صريرًا، بل عتابًا. في الداخل، كان الزمن جالسًا على السلالم، يربت على كتفي بلا كلمات. خطواتي سبقتني؛ هنا تعلّمتُ أن أخاف الظلّ، وهناك خبّأتُ دموعي في جيوب النهار. على الجدار، وجدتُ خطّي الطفوليّ: اسمًا ناقصًا وحلمًا مكسور الطرف، لم يكتمل يومًا لأنّني استعجلتُ الرحيل.
من نافذة بعيدة، تسلّل صوت سيارة حديثة، فارتجف المكان لحظة، ثم عاد إلى صمته الواثق. فهمتُها: الماضي لا يعادي الحاضر، لكنه يطلب الاعتراف. جلستُ على الدرجة الثالثة، أغمضتُ عينيّ، فمرّت ضحكتي القديمة خفيفة، بلا أثقال.
حين خرجتُ، كان الليل يمدّ عباءته. نظرتُ إلى المبنى مرّة أخيرة، شكرتُه بصمت، وتركتُ عند عتبته خمسين عامًا، ومضيتُ ومعي طفلٌ يعرف الطريق.