
سِفْرُ غزّة 5:
حنظلة يعود إلى غزّة
لم أعد كما خرجت، أبداً.
يومها، حين أدرتُ ظهري، كنتُ ساذجاً. ظننتُ أنّ الصّمت بحدّ ذاته مقاومة. أنّ الشّهادة بالصّمت ستكون أقوى من أيّ صرخة. كنتُ أتخيّل أنّ العالم سيتوقّف يوماً لينظر إلى طفل حافي القدمين، يدير ظهره لـبحر من الأكاذيب. لكنّني، اكتشفت متأخّراً: هذا العالم لا يرى شيئاً إلّا ما تضربه به في وجهه، ولا يسمع إلّا الأنين الذي يخرج من تحت الرّكام.
فعدت.
عدتُ دون أن أنتظر إذناً من ناجي العلي. عدتُ لأنّ غزّة هي الشّيء الوحيد الذي لم يخذلني قطّ، ولأنّ كلّ شيء في هذا الكون تآمر على خذلانها.
رجعت إليها وأنا أحمل حطامي الخاصّ: بقايا رسوماتٍ بالية، ذاكرة مليئة بالغبار، وطفولة لم أجد لها مكاناً سوى تحت جدار استيطانيّ قديم. عدتُ أبحث بجنون عن جداري الأوّل، عن ذاك الحائط الذي كنتُ أخربش عليه أحلاماً ضخمة، أكبر بكثير من أن تتحقّق. لم أجده. لقد انهار.
الآن، لا أملك ظهراً لأديره. الجدار تحوّل إلى تراب، والحائط احترق، والصّمت غرق في برك من دم الأطفال. لا فائدة من التّمسك بالسّكوت. لا معنى للمراقبة بـصبر جبان فشل في إحداث أيّ تغيير.
اليوم…
أنا هنا في غزّة، لستُ مشاهداً، بل أنا شاهدٌ على الجريمة. لستُ طفلاً عابثاً يرفض الواقع، بل ضميرٌ يتفجّر بالنّقمة.
في حلقي شوكة لا تبلعها الأيام من الأسئلة:
• لماذا صار العالم أعمى ممّا كان عليه؟
• لماذا تحوّلت دماء الأطفال إلى مجرد خلفيّة “فنّيّة” على نشرات الأخبار الباردة؟
• لماذا لم تعد السّماء تفرّق بين سطر في قصيدة وبين نقطة تفتيش مميتة؟
حين خرجت، كان الخبز نادراً. وحين عدت، وجدت أنّ الحنين جوع أشد إيلاماً. الخيمة القديمة كانت تنتظرني على حالها، لكنّ الثّقوب فيها تضاعفت، وصارت تشبه الثّقوب في ضمير العالم.
أنا حنظلة. ابن تلك الهزيمة المرّة، أصمَتَني الوجع طويلاً، لكنّني أقسم، لم أعد صامتاً. سأكتب. نعم، سأكتب. لكنّني لن أرسم أبداً. فالصّور الآن ليست بحاجة لخطوطٍ قاتمة. هي تكتفي بلون واحد: الرّماد الصّارخ للحقيقة.
لم أعد أحتمل السّكوت لحظة واحدة.
كنتُ أظنّ أن ظهري الصّغير يكفي ليحمي غزّة، أنّ هذا الظّهر قادر على تغطية العار كلّه. يا لغباوتي! العالم اعتاد أن يرى ظهور الأطفال وهي تُدار له دون أن يرتعش له جفن.
عدت، رجعت إلى المدينة التي كانت في يوم ما أمّي الدّافئة. وجدتها تجلس على كرسيّ متحرّك من الخذلان… تسير بعكاز مهترئ مصنوع من دعاء الجدّات الأخير. تحمل على ظهرها ما لا يقدر بشر على حمله: جنائز، وطفلاً لم يولد بعد.
سألتها بمرارة: “أما زلتِ تجدين شيئاً لترضعيه أملاً؟” فبصقت في وجهي وقالت: “أرضعتُه الموت!”
مشيتُ بين الأزقّة، الهواء نفسه كان يختنق، يختلط فيه صراخ الأمّهات وصرير الأنقاض.
رأيت طفلاً يحاول عبثاً أن يلصق قطعة من قلبه على جدار مدرسة مهجورة، وشيخاً يبحث في أنقاض المسجد عن آخر سطر نجا من المصحف الذي احترق، رأيت بيتاً مفتوحاً بلا أبواب، وقبراً بلا اسم يُعرّف به.
ثمّ سمعت طفلةً تقول لأخيها بهدوء مروّع: “لا تبكِ، سنرسم جداراً جديداً بأنفسنا، وندير له ظهرنا، تماماً كما فعل حنظلة القديم.”
لكنّني كنتُ هناك. أمامهما. وظهري كان عارياً ومكسوراً.
لم أعد الصّامت الحكيم. لقد انكسر ظهري من ثقل الأسرار، وانفتح فمي من عنف الجوع.
جلستُ بجوار خيمة مثقوبة، أتأمّل يداً تخرج من التّراب تمسك وردة ذابلة. وسمعت صوتاً من تحت الرّكام يقول بيأس: “لم أمت بعد، أنا فقط لم أتلقَّ بعدُ إشعاراً رسميّاً بالحياة.”
سمعت المآذن تنتحب، والصّمت يعلن تقصيره، والنّوافذ تسدل ستائرها للأبد كي لا تشهد بقية المأساة.
أخذتُ دفتري، وكتبتُ بلا توقف:
هنا، الأطفال لا يكبرون، بل يُحذفون من طابور الصّباح بصاروخ. هنا، الأمهات لا يمتن من الشّيخوخة، بل من ترتيبهن المتقن لحقائب أولادهن استعداداً للشّهادة. هنا، لستَ بحاجة لوجه لتُعرف؛ يكفي أن تكون رماداً ليتذكّرك العالم ليوم واحد ثمّ ينساك.
وفي المساء، قابلتني كاميرا صحفيّ. قال لي: “ابتسم من فضلك، هذه صورتك الأولى بعد عودتك.”
فرفعت إصبعي نحو السّماء، وكتبتُ في الفضاء الكثيف “: ما عاد في الأرض أي شيء يُبتسم له… صوّرني وأنا أصرخ بكلّ ما أوتيتُ من صمت قديم.”
أنا حنظلة، عدتُ لا لأشهد، بل لأدين كلّ من صمت ورأى، لا لأرسمكم، إنّما لأحفر على جدرانكم سؤالاً لا يمكن محوه:
هل بقي في هذا العالم من يستحقّ أن نُريه وجوهنا؟