
في اليمن، يتم تسويق الصراع وكأنه خلاف جغرافي: وحدة أم انفصال؟ شمال أم جنوب؟ دولة اتحادية أم مركزية؟ بينما تُدفن الحقيقة تحت هذا الضجيج المتعمد: المشكلة ليست في الخريطة، بل في من يمسك القلم. أكثر من ثلاثين عامًا من الإدارة نفسها، بالآليات نفسها، وبالعقول نفسها، والنتيجة واحدة: دولة مُنهكة، اقتصاد مُنهوب، ومجتمع يعيش على حافة البقاء.
هذا المقال لا يدافع عن شخص ولا يهاجم إقليمًا، بل يضع الإصبع على الجرح: سوء الإدارة المنهجي، ونهب المال العام، وتحويل الدولة إلى مرتع منظم لاقتصاد الظل.
النفس السياسية الحاكمة في اليمن ليست نفس بناء، بل نفس سيطرة. عقلية ترى الدولة غنيمة، والوظيفة مكافأة، والموازنة “رزقًا”، والفساد “حقًا مكتسبًا”. لذلك:
لا اعتراف بالخطأ لأن الخطأ يعني المحاسبة.
لا شفافية لأن الشفافية تعني السقوط.
لا تداول كفاءات لأن الكفاءة تهدد شبكة المصالح.
إنها نفس دفاعية تعيش على صناعة كبش فداء: مرة الانفصال، مرة الوحدة، مرة الخارج، بينما الفاعل الحقيقي محمي داخل القصر.
منذ ثلاثة عقود، يتبدل العنوان ويبقى المحتوى:
رؤساء يتغيرون، لكن النظام المالي نفسه.
حكومات تتشكل، لكن آليات الصرف نفسها.
مجالس تُستحدث، لكن الحسابات مغلقة.
السياسة هنا ليست إدارة مصالح عامة، بل إدارة توازنات فساد. ومن يُتهم اليوم ليس سوى حلقة في سلسلة أطول تُدار من أعلى وتُغطّى باسم الشرعية.
السؤال البسيط الذي يخشاه الجميع:
> لماذا لا يُعلن البنك المركزي كشوفات الحسابات المصرفية كاملة؟
حسابات الرئاسة.
حسابات الحكومة.
حسابات رؤساء الحكومات المتعاقبين.
حسابات محافظي البنك المركزي.
لو فُتحت هذه الدفاتر، لانكشف أن المشكلة ليست إقليمًا يتمرد، ولا طرفًا يزايد، بل نظام مالي بلا رقابة. اقتصاد يعيش على:
جبايات غير قانونية.
موارد سيادية خارج الموازنة.
نفقات بلا مستندات.
هذا ليس اقتصاد دولة، بل اقتصاد علي بابا… بأربعين توقيعًا رسميًا.
حين تُنهب الدولة، يتحول الجيش إلى مرتبات، والأمن إلى ولاءات. لا عقيدة وطنية بلا عدالة مالية، ولا أمن مستدام بلا رواتب شفافة، ولا جيش محترف بلا ميزانية خاضعة للرقابة.
لذلك يتكاثر السلاح، ويغيب الأمن، لأن الدولة نفسها غائبة.
الدستور واضح، والقوانين المالية واضحة، لكن:
لا ذمة مالية مُعلنة.
لا تقارير مراجعة مستقلة.
لا محاكمات كبرى.
القانون موجود، لكنه مُعلّق بإرادة سياسية تستفيد من تعليقه. وهنا تتحول الدولة إلى مسرح: دستور للعرض، وقانون للاستهلاك الإعلامي.
لماذا يُقدَّم كبش فداء؟
لأن كشف الحقيقة كاملة سيؤدي إلى:
انهيار سردية “الشرعية النظيفة”.
سقوط شبكة كاملة لا شخصًا واحدًا.
انتقال النقاش من السياسة إلى القضاء.
لذلك يتم اختيار متهم واحد، يُرمى للرأي العام، بينما تُغلق الخزنة على من يملك المفتاح.
ماذا بعد كشف الحقيقة؟ الآلية المطلوبة
إذا كنا جادين، فالحل ليس بيان إدانة، بل مسار دولة:
1. كشف علني للحسابات: نشر كشوفات البنك المركزي كاملة لآخر عشر سنوات.
2. تدقيق دولي مستقل: لا يخضع لأي طرف محلي.
3. تجميد الأصول المشبوهة حتى انتهاء التحقيق.
4. إقرار الذمة المالية الإجباري لكل مسؤول حالي وسابق.
5. محكمة اقتصادية خاصة بجرائم المال العام.
6. إخراج الموارد السيادية من اقتصاد الظل إلى الموازنة العامة.
هذه ليست ثورة، بل حدّ أدنى لدولة محترمة.
خاتمة: المشكلة ليست اليمن… بل من يختطفه
اليمن ليس فاشلًا بطبيعته، بل مُفشَل بإدارته. ليست الوحدة سبب الخراب، ولا الانفصال حلّ الخلاص. المشكلة في منظومة جعلت الدولة بنكًا خاصًا، والشعب متفرجًا، والفساد سياسة عامة.
حين نكف عن صناعة كبش فداء، ونفتح الدفاتر، ونسأل: من سرق؟ وكيف؟ ولماذا؟ عندها فقط يبدأ طريق الخلاص.
أما دون ذلك… فسنظل نناقش الخريطة، بينما اللص يفرغ الخزنة.