تقارير وتحقيقات

كيف يُكتب التاريخ المعاصر في السردية الصهيونية؟

كتب :هاني الكنيسي
وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ‘مايك بومبيو’ (2018 إلى 2021)، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) من عام 2017 إلى 2018 (في رئاسة ترمب الأولى)، دعا إلى “إعادة كتابة التاريخ” فيما يتعلق بحرب الإبادة في غزة. لماذا؟ وكيف؟!
في ندوة عامة نظمها ‘معهد ميريام’ MirYam Institute (الصهيوني، ومقره واشنطن) موخراً، قال ‘بومبيو’ أمام عدسات المصورين: “للأسف نلاحظ أن بعض الشباب من الجيل الجديد يقرن تاريخ 7 أكتوبر بضحايا غزة، بنفس مستوى اقترانه بضحايا ‘المذبحة’ من الإسرائيليين.. نلاحظ هذا ليس فقط في الولايات المتحدة، بل وبشكل عام في معظم دول العالم”.
ثم يضيف موضحًا فكرته: “علينا أن نتأكد أولا، من أن القصة تُروى للأجيال الناشئة بالصورة الصحيحة. أي عندما تسجّل كتب التاريخ ما حدث يوم 7 أكتوبر وبعده، فيجب ألا تتحدث عن ضحايا غزة ….
وهنا، يقاطعه تصفيق عشرات الحضور .. فيعتدل في جلسته ناظرًا بخجل نحو الكاميرا .. ثم يتابع: “لكي أكون أكثر دقة، كان هناك ضحايا بالفعل في غزة .. ودائما ما يسقط المدنيون الأبرياء في أي حرب أو مواجهة عسكرية. لكن الضحايا الحقيقيين هم الإسرائيليون الذي قُتلوا بسبب إيران التي شنت حربا بالوكالة عبر حماس وحزب الله”.
“علينا أن نتأكد من أن كتب التاريخ تتناول تلك الحقائق بمنتهى الدقة. وعلينا أيضاً أن نذكّر أحفادنا وأبناءنا بهذه المذبحة كل يوم، وفي كل مناسبة. يجب أن نوثّق ما حدث بجدية وبوعي أخلاقي، لكي تبقى قصة الضحايا الإسرائيليين حاضرةً في الأذهان وفي كتب التاريخ”.
هذه هي السردية التي يريد ‘بومبيو’ حفرها في ذاكرة التاريخ عن 7 أكتوبر وما تلاه من حرب إبادة في غزة، وهي الرواية التي لاتختلف عن نظيرتها الإسرائيلية- باستثناء إضافة لفظ “إرهابي” وراء كل كلمة تشير إلى ما هو فلسطيني، شخصًا كان أم فعلًا.
إذ تقود المكتبة الوطنية الإسرائيلية مشروع “أرشيف الشهادة الحية” Bearing Witness Archive، ليكون المرجع التاريخي الأساسي الذي يوثق الحدث للأجيال القادمة. وليس من الصعب استنتاج أي نوع من الشهادات يتم توثيقه.
بينما أصدر ‘الاتحاد الأمريكي للمعلمين’ (AFT) مواداً تعليمية وفيديوهات توثق “المجزرة” كأكبر خسارة للأرواح اليهودية منذ “المحرقة” في عهد النازية.
وفي الكتب الدراسية ببعض الدول أوروبية، بدأت دور النشر العالمية إدراج الحدث ضمن مناهج “التاريخ المعاصر”، بسردية أريد لها أن تكون بلغة “موحدة”. ففي فرنسا، على سبيل المثال، تعرضت دار النشر “Hachette” -مطلع هذا العام 2026- لانتقادات واسعة ولحملة تتهمها بمعاداة السامية، بسبب وصفها لضحايا الهجوم بـ “المستوطنين اليهود”، مما أدى لسحب ثلاثة كتب دراسية وتقديم الناشر اعتذارا رسمياً، ووصفت الحكومة الفرنسية التعبير بأنه “غير مقبول”.
وفي معظم المراجع الأكاديمية الغربية، يُشار لأحداث 7 أكتوبر بعبارة متطابقة: “هجوم حماس الإرهابي”، ويوصف ما تلاه على مدى عامين بأنه في سياق “الحرب التي شنها جيش الدفاع الإسرائيلي على حماس في غزة لتحرير الرهائن”.
وبينما يميل العديد من المنشورات البحثية الغربية إلى مقاربة 7 أكتوبر من زاوية “القانون الدولي” و”معاداة السامية”، يربط بعضها بين الأحداث وذكرى “الهولوكوست”، لتعزيز الرواية التاريخية عن “الضحية اليهودية”. وفي كل ذلك، تكاد تختفي أي إشارة ل”جزئية” الاحتلال، أو لمحنة الفلسطينيين منذ 1948.
أما المراجع الصادرة عن الأمم المتحدة (مثل تقارير مفوضية حقوق الإنسان) فتعتمد منهجية تركز على “جرائم الحرب” من الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي)، وتوثّق أحداث 7 أكتوبر كـ “هجوم واسع النطاق استهدف مدنيين” مع تسجيل “الرد العسكري الإسرائيلي اللاحق” ونتائجه “الإنسانية” في غزة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى