تاريخ العرب

من الجزية إلى النصر: قصة سباستوبوليس 73 هـ

في عام 692 ميلاديًا، الموافق 73 هجريًا، كانت سهول سباستوبوليس (أو سبياستوبولس) في قليقية – جنوب #تركيا اليوم – على موعد مع معركة ستغير مجرى التاريخ في تلك الحقبة.
كان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قد أنهى لتوه سنوات الفتن الداخلية، قضى على ثورة عبد الله بن الزبير، ووحّد الدولة الإسلامية تحت رايته. شعر بالقوة، فألغى السلام الهش الذي كان قائمًا مع الإمبراطورية البيزنطية منذ عام 680، حيث كان المسلمون يدفعون الجزية للقسطنطينية. قرر عبد الملك أن يستعيد المبادرة، فوجه أخاه محمد بن مروان – القائد المحنك والبارع – ليواجه الروم في آسيا الصغرى.
على الجانب الآخر، كان الإمبراطور جستنيان الثاني يحلم بإعادة أمجاد الرومان. نقل عشرات الآلاف من السلاف الذين أخضعهم في البلقان إلى آسيا الصغرى، سلّحهم، وشكّل منهم فيلقًا خاصًا قوامه نحو ثلاثين ألف مقاتل تحت قيادة نيبولوس (أو نيبلوس). راهن عليهم كثيرًا، فأعلن إنهاء السلام، وأرسل جيشه بقيادة الجنرال ليونتيوس – الذي سيصبح إمبراطورًا لاحقًا – ليصد المسلمين.
تجمعت الجيوش في سهول سباستوبوليس. وقف محمد بن مروان يرتب صفوف جيشه بحكمة ودهاء: قسّمه إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تولى قيادة الوسط بنفسه، وأعد كتائب الفرسان السريعة لتكون سلاحه الخاطف. أما الروم، فقد انتشروا بثقة وكبرياء، رافعين صلبهم، واثقين من عددهم الكبير وعتادهم الثقيل، وخلفهم ذلك الفيلق السلافي الضخم.
بدأت المعركة بتكبير المسلمين وصيحاتهم: “النصر أو الشها.دة!” تقدم الجيشان نحو بعضهما، وفي اللحظات الأولى شن الروم هجومًا شرسًا على ميمنة المسلمين، ظانين أنها ستكون نقطة الضعف. لكن محمد بن مروان كان يترقب. صمد الفرسان صمودًا أسطوريًا، أمطروا الروم بالرماح والسيوف، فسقط المئات منهم، وانهار هجومهم الأول، فانخفضت معنوياتهم وارتفعت همة المسلمين.
اشتعلت المعركة بعد ذلك اشتعالاً عنيفًا. دارت السيوف، طارت الرماح الطويلة، وأمطرت السهام كالمطر المنهمر. جالت فرسان المسلمين جولات خاطفة سريعة، يضربون يمينًا ويسارًا، يزرعون الرعب في صفوف الروم. تقدم محمد بن مروان بنفسه في مقدمة جيشه، يقاتل بسيفه، حتى اخترق الصفوف الأمامية للعدو. اختل توازن الروم، تفرقت جموعهم، وبدأ النصر يلوح بوضوح للمسلمين.
لكن اللحظة الحاسمة جاءت فجأة من حيث لم يتوقعها جستنيان: انشق السلاف! رشى محمد بن مروان قائدهم نيبولوس ومن معه، فانحاز نحو عشرين ألفًا منهم فجأة إلى صف المسلمين، وانقلبوا على إخوانهم السابقين في الجيش البيزنطي. انهار الجيش الرومي تمامًا. صاح نيبولوس بالانسحاب، وفر السلاف المنشقون، تاركين الروم يواجهون مصيرهم وحدهم.
انهزم الروم هزيمة نكراء. طاردهم المسلمون، يقت.لون ويأسرون، وحصدوا آلاف الأسرى وحملوا غنائم وفيرة. هرب ليونتيوس ومن بقي من جيشه مذلولين، وانتهت بذلك سيطرة الروم القوية في آسيا الصغرى لسنوات طويلة.
بعد المعركة، غضب جستنيان الثاني غضبًا شديدًا، فأمر – حسب بعض الروايات – بذبح ما تبقى من السلاف في أراضيه، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ورمى جثثهم في خليج نيقوميديا، متهمًا إياهم بالخيانة (وهي رواية محل جدل بين المؤرخين).
مهدت هذه الانتصار الطريق لتقدم المسلمين في أرمينيا وآسيا الصغرى، وفتح الباب أمام حصار #القسطنطينية في السنوات اللاحقة.
كانت سباستوبوليس درسًا حيًا في الدهاء والصبر والإيمان، حيث قلب المسلمون – بثباتهم وحكمتهم – موازين القوى، وأثبتوا أن العدد والعتاد لا يغنيان عن الخطة الذكية والروح القوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى