تقارير وتحقيقات

“التعالي” الإسرائيلي و”التماهي” الإماراتي .. في تسريبات المراسلات “الأمنية”

كتب :هاني الكنيسي
نشر موقع إلكتروني عربي (باسم “العدسة”) عبر السوشيال ميديا ما زعم أنها “تسريبات” لمراسلات بين النتنياهو والشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات في سياق “تقرير داخلي” أعدّته جهة أمنية سيادية في أبوظبي، يتناول بالأمثلة علامات “التكبّر والاستعلاء” الإسرائيلي (على حد وصف كاتب التقرير)، ويدعو إلى الرد على تلك المعاملة “غير اللائقة”.
التقرير المختوم بخاتم “سري جدا”، والذي يحمل الرقم التسلسلي (٠٠٢٣٢)، والمؤرّخ بالسابع من نوفمبر 2024، موجّه من رئيس “وحدة عمليات جمع المعلومات” إلى “الإدارة العليا لوحدة المعلومات المركزية”، وعنوان موضوعه “حالة التعاون الإماراتي الإسرائيلي خلال عام 2024″.
وللعلم، فإن وحدة المعلومات المركزية تتبع جهاز أمن الدولة الإماراتي (State Security Department)، وهي الجهة المسؤولة عن الأمن الداخلي والاستخبارات، برئاسة اللواء أحمد بن حشر آل مكتوم، والتي هي أيضًا أحد ثلاثة مكونات لـ”مجلس الأمن الوطني” الذي يترأسه الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني في دولة الإمارات.
يبدأ التقرير “المسرّب” (دون الإفصاح عن مصدر تسريبه، وإن كان يمكن استنتاج ذلك في هذا التوقيت) بمذكرة موجزة تقول بالنص: نقدم لكم تقريرا حول طريقة التعامل الإسرائيلي ومدى توافقه مع أعراف التخاطب المتعارف عليها خلال عامنا هذا، والذي يشرف على الانتهاء. وفي التقرير ما يؤكد حالة التعالي والتكبر في التعامل مع الجانب الإماراتي، وهو ما يتطلب ومن أعلى مستوى الرد بالتعامل بالمثل.
يُرجى الاطلاع على التحليل المبني على الأدلة والمستندات التي تؤكد هذا التعامل غير اللائق..
مع خالص التحيات
توقيع: رئيس وحدة عمليات جمع المعلومات 7/11/2024
وفي التفاصيل، يرصد التقرير (السري) 30 حالة تعامل -كما وصفها- بين إسرائيل والإمارات، في الفترة بين يناير إلى نهاية أكتوبر من عام 2024. ويصنّفها إلى مستويين:
الأول، يشمل 12 حالة تعامل على مستوى عالي (مستوى القيادات)، من بينها 8 حالات رُصدت فيها أمثلة “غير لائقة” في التعامل من الجانب الإسرائيلي، و”مخالفة لأسس التعاون والاتفاقات المعلنة وغير المعلنة”.
والثاني، يضم 18 حالة تعامل على مستوى متوسط (مديري إدارات ومن يعادلهم)، ومنها أيضا 11 حالة “غير لائقة”.
ويستطرد: “لقد شهد هذا العام تكرارا لحالات من التعامل غير المهذب وغير الاخلاقي من الجانب الاسرائيلي سواء من خلال محتوى المذكرات والرسائل او من خلال التصريحات الاستفزازية والتي ستؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية بين بلدينا وتضر بمصالح شعبيينا في حال استمرارها دون اتخاذ الاجراءات اللازمة”.
ثم يخلص إلى توصية: “وهو ما يستدعي إعادة النظر لاستبدال الطرق التقليدية في التعامل ورد المعاملة غير اللائقة حتى يتعظ الطرف الإسرائيلي”.
ويتضمن التقرير “المثير في فحواه ومغزاه وتوقيته” صورًا زنكوغرافية للمذكرات المرفوعة من وحدة العمليات وللرسائل المتبادلة بين مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ومكتب رئيس الإمارات، على مدى أشهر عدة، كان أحدثها خطاب موجّه من مكتب النتنياهو -وممهور بتوقيعه شخصيًا- إلى الشيخ محمد بن زايد ، بتاريخ 6 أكتوبر 2024، مطبوعة باللغة الإنجليزية على “ترويسة” رسمية Letter Head باللغة العبرية، وعنوانه: “رفع مستوى الاستخبارات في غزة” Raising the level of intelligence in Gaza
وتقول الرسالة في متنها بالنص: “ارفع مستوى المخابرات وجمع المعلومات في قطاع غزة. نريد تقارير أكثر دقة. أعتقد أن جنودي المخلصين معك يزوّدونكم بأحدث البرمجيات والأدوات التقنية. أريد تأكيد ذلك خلال شهر واحد من تاريخه”.
ويُلاحظ بوضوح من صيغة الرسالة الإنجليزية لهجة “الأمر” الأقرب لتعمّد الإهانة في الخطاب الإسرائيلي.
وهو ما جاء الرد الإماراتي عليه، حسب الوثيقة المنشورة في التقرير المسرّب تحت اسم المذكرة “أ”، عبر نص التقييم “الأمني” الذي يقول: “لقد كان ردنا متجاوزا تلك اللغة والمفردات المتعالية بالتأكيد. مع العلم أنه قد تم إبلاغ سمو الشيخ عبد اللّٰه بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية حفظة اللّه، بعدم المضي قدمًا … (عبارة مشطوبة) .. والإيعاز لوسائل الإعلام بعدم الخوض فيه”.
“يتبيّن من هذه المذكرة الرسمية المؤرخة بتاريخ ٦ أكتوبر ٢٠٢٤م والخاصة برفع مستوى العمل الاستخباري في غزة، أنه يوجه لنا أوامر بمفردات تخلو من روح التعامل المتعارف عليه. حيث يوجّه برفع مستوى عمل استخباراتنا بداخل قطاع غزة متجاهلا بان أعمال فرقنا في غزة … (عبارة أخرى مشطوبة)، والتواصل والتنسيق مع فرقه ..ويستمر في توجيه الأوامر بطلب تقارير دقيقة أكثر خلال شهر واحد فقط.. وبلغة خالية من روح تعامل الند للند”.
“وقد تم بذات اللغة، إحاطته (أي النتنياهو) بأن الإمارات لديها موقف جديد بشأن حرب في قطاع غزة، وهو ما يتطابق مع جهدها السياسي الدبلوماسي في الأمم المتحدة لإعطاء فلسطين العضوية كاملة بالمؤسسة الأممية”.
وهكذا تمضي التقارير والرسائل المسرّبة عبر الموقع المذكور في كشف “طبيعة” التعامل بين الإمارات وإسرائيل -طبعًا بافتراض صحة الوثائق التي يصعب التحقق منها- والتي تبدو إنها أقرب إلى علاقة “آمر ومأمور” وترسم صورة استعلاء إسرائيلي موثق يقابله “تماهي” إماراتي براغماتي.
والحقيقة أن التسريب “الطويل” يتضمّن عددا من النقاط أو “الاكتشافات” المثيرة جدًا ليس فقط عن خفايا التعاون الاستخباراتي بين الإمارات وإسرائيل في غزة، بل أيضا حول “التواطؤ” بينهما لاختراق دولة قطر (أمنيا وإعلاميا)، وكذلك التعاون “العسكري والأمني” بين الحليفين في قارة أفريقيا، وبالتحديد في أنغولا!!!
ولأن مساحة البوست لا تسمح بأكثر من ذلك (درءًا لملل المتابعين)، فاسمحوا لي بمتابعة الموضوع في منشور لاحق بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى