فيس وتويتر
أخر الأخبار

السفير أيمن زين الدين يكتب : أجرأ محاولة لهدم النظام الدولى

يطلق الريس الامريكى ترمب أجرأ محاولة لهدم النظام الدولى القائم وتقديم نظام جديد بدلا منه، ليس حرصا على تطوير العلاقات الدولية، وانما كرهاً فى كل ما يمثله النظام القائم، ولجعل العلاقات الدولية أبعد عن القيم العليا التى يبتغيها، مثل النظام والعدل والتكافل، كما يكره أى فاسد القيم التى تذكره بفساده، لا يهم فى ذلك أين تقع مصالح أمريكا نفسها، ولكى ينسب إليه شخصيا فكرة بناء نظام جديد…..
هذه خلفية مشروع ترمب لمجلس السلام العالمى، الذى تكشف مسودة ميثاقه (فى اول تعليق ترجمه عربية له) انه لا يتعلق بغزة اصلا، وانما يستدف اختصاصا عالميا، وهو ما يجعله خطوة كبرى فى مسعى القضاء على أهم دعامات النظام الدولى القائم، ممثلاً فى الأمم المتحدة وما تقوم عليه من مبادئ، بل وفكرة القانون الدولى ذاتها، وإنشاء ألية جديدة تكتب باسمه، ويرأسها ويديرهات ويحدد من يتمتع بعضويتها، ويورث رئاستها لمن يختاره هو، ويحتفظ فيها لنفسه وحده بحق الفيتو….
والحقيقة ان صياغة الميثاق على هذا النحو، الذى يتخطى اى مستوى يمكن تصوره من الفجاجة، يعكس ان هدف طرح الفكرة هو ارباك النظام الدولى وتعميق حالة الفوضى فيه، واستفزاز الدول للاختيار بين التصادم مع الولايات او الاضطرار للخضوع الى ابعد درجات شططها جموحا، وليس تقديم بديل جاد ومتماسك، لان تنظيم العلاقات الدولية على اى نحو هو بالضبط عكس ما يسعى اليه ترمب….
وربما سيؤرخ فى المستقبل الى منتدى دافوس ٢٠٢٦ باعتباره نقطة مفصلية قى العلاقات الدولية، تدخل بعدها مرحلة جديدة تسودها المواجهة بين قيادات مثل ترمب والرئيس الروسى بوتين ورئيس الوزراء الاسرائيلى نتنياهو من ناحية، والذين يسعون الى تدمير محددات النظام الدولى والقانون الدولى والقوى التى تدعمها، وبين قيادات مثل الرئيس الفرنسى ماكرون ورئيس الوزراء الكندى كارنى من ناحية اخرى، الذين يريدون الدفاع عن النظام الدولى القائم وما حققه من استقرار ورخاء…. إلا ان ابعاد هذه المواجهة لن تكتمل الا عندما تتحدد توجهات واختيارات الصين وقوى الجنوب الرئيسية، التى تدفعها مصالحها الى جانب الحفاظ على النظام الدولى القائم، لكنها ايضا لن تتجاوب مع مساعى لا تستهدف الا الحفاظ على مصالح القوى الغربية التى تعارض التوجهات الامريكية، لان اوروبا الغربية وكندا لا تستطيع وحدها التغلب على الهجمة الامريكية الروسية المتصاعدة….
عموما، فإن الواجب يقتضى ان يلحق اقتراح الرئيس ترمب التجاهل او الرفض التام من أى دولة تحرص على الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة والانضباط فى العلاقات الدولية….. افهم بالطبع ان لدى الكثيرين خيبة امل عميقة فى النظام الدولى، الا ان هناك فارقا كبيرا بين وجود نقائص او اختلالات فى هذا النظام تستدعى علاجها، وبين هدم النظام كلية، وتقنين قانون الغاب ودفع العلاقات الدولية الى حالة من الفوضى الشاملة…. بعبارة اخرى، فإنه لا يمكن ابدا ان يدفعنا عدم رضائنا على النظام الدولى القائم الى تصور ان ما يفعله ترمب يمثل فرصة للتصحيح، لانه لا يسعى الا الى تعميق وتوسيع عيوب النظام القائم، والقضاء على كل ما فيه من ايجابيات….
اتمنى ان تراجع مصر ترحيبها بهذه المبادرة الخطيرة، والتى لن تستجيب إليها الى حفنة صغيرة من الدول التى لا تدرك حجم ما فيها من مخاطر، او لا تقوى على التصدى له، لا سيما وان موجة المعارضة للمبادرة تصاعد وتتسع، ولا يصح ان تكون مصر بعيدة عن هذا التيار، وانما يجب عليها ان تأخذ المبادرة الى طرح رؤية اكثر إصلاحية وتقدمية لتطوير النظام الدولى وعلاج اختلالاته ونقائصه، باعتبار ذلك شرطا ضروريا للحفاظ عليه وللتصدى لمحاولة هدمه…..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى