
يرى عبد القاهر الجرجاني أن التشبيه ليس مجرد إلحاق صورة بصورة، ولا جمعَ شيئين في صفة مشتركة، بل هو بناء دلالي تتولّد فيه المعاني من طريقة النظم، لا من الألفاظ مفردة. فالقيمة البلاغية للتشبيه لا تقوم في قولنا: «هذا مثل ذاك»، بل في كيف قيلت، ولماذا قيلت على هذا الوجه دون غيره.
1. التشبيه الذي يولد من المعنى لا من اللفظ
ليس كل تشبيه بليغًا، وإنما البليغ ما كان بين طرفيه علّة خفية دقيقة، لا يدركها السامع إلا بعد تأمّل:
قولنا:
وجهه كالشمس: تشبيه قريب مألوف، لا يثير دهشة.
لكن قول الشاعر:
كأنّ الشمسَ في خده أقامت
هنا لا يشبّه الوجه بالشمس مباشرة، بل يجعل الشمس ساكنة فيه، فينشأ معنى أعمق: الامتلاء، الثبات، الإشراق المتجذّر.
عند الجرجاني، البلاغة في طريقة التأليف لا في مادته الخام.
2. التشبيه الذي يخلق معنى جديدًا
التشبيه الحقّ لا ينقل صورة جاهزة، بل يصنع دلالة جديدة:
مثل قول المتنبي:
كأنّك في جفن الردى وهو نائم
لم يقل: أنت قريب من الموت، بل جعلك داخل جفن الموت نفسه، والموت نائم، أي أن الخطر عظيم لكنّه مؤجّل، فينشأ توتّر بلاغي لا يبلغه التصريح.
هنا التشبيه لا يشرح، بل يخلق شعورًا.
3. التشبيه المركّب
أبلغ التشبيهات عند الجرجاني ما كان مركّبًا، أي تشبيه هيئة بهيئة:
قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا
لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
لم يشبّه شيئًا بشيء مفرد، بل هيئة قلوب الطير بهيئة العنّاب والحشف، فصارت الصورة لوحة كاملة، لا كلمة.
البلاغة هنا في النظم الذي جمع الصفات ورتّبها حتى ولّدت المشهد.
4. التشبيه الذي يعتمد على المفارقة
من أسرار جمال التشبيه أن يجمع بين متباعدين:
كقولهم:
ضحكته سكين
ليس فيها شبه حسي مباشر، لكن المفارقة تولّد معنى نفسيًا: ابتسامة مؤذية.
الجرجاني يرى أن هذا النوع أرفع درجة، لأنه يحتاج عقلًا يربط لا عينًا ترى فقط.
5. التشبيه وسياق الكلام
التشبيه لا يُقاس وحده، بل في مكانه:
قولك:
الليل كالعباءة
قد يكون باردًا،
لكن في سياق حزن:
لفّني الليل كما تلفّ العباءة كتفي عجوزٍ وحيد
يصير التشبيه حيًّا، لأن النظم خلق له حياة.
خلاصة أسرار التشبيه عند الجرجاني
التشبيه البليغ هو الذي:
لا يكتفي بالمشابهة الظاهرة.
يولّد معنى جديدًا لا يقال بدونه.
يعتمد على النظم لا على اللفظ المفرد.
يدهش قبل أن يشرح.
ويخدم سياق الكلام لا يتزيّن وحده.
فالتشبيه عند عبد القاهر ليس زينة في الكلام، بل طريقة في التفكير والتصوير، وميزان يُعرف به الفرق بين من يقول المعنى… ومن يخلقه.