كتاب وشعراء

أبيع الذكريات لمن يشتري….بقلم محب خيري الجمال

أفتح دكاني الصغير عند حافة المساء،
حين تتعب الشمس من التظاهر بالقوة،
ولا يبقى من النهار
سوى عذرٍ للحنين.
لا لافتة لي سوى قلبي،
ولا ميزان إلا الارتجاف في يدي،
ولا ضوء إلا ما يتسرّب من الشقوق
بين ما كنتُه وما صرتُه.
أرتّب الذكريات على الرفوف
كما تُرتَّب الفاكهة التي تأخّر موسمها:
ضحكة ناقصة،
رسالة لم تُرسل،
كرسي ظلّ فارغا بعدك،
وصوتي حين كان يصدّق نفسه
دون حاجة إلى براهين.
الذكريات لا تلمع،
لكنها تعرف كيف تُحدِّق،
تُحدِّق طويلا
كأنها تبحث عن صاحبها الحقيقي.
كل واحدة منها تسألني:
هل ما زلتَ هنا؟
وأكذب عليها جميعًا بابتسامة الباعة
الذين تعلّموا
كيف يُخفون الخسارة خلف الترحيب.
أبيع صباحاتٍ كانت تستيقظ باكرا من أجل أحد،
وتنسى نفسها في المرآة.
ومساءاتٍ تعلّمت كيف تطيل عمرها
كي لا تنتهي بسرعة،
كي لا تُطفئ الضوء قبل أن يطمئن القلب.
أبيع حبّا لم يجد عنوانا ولا شرفةً يطلّ منها،
وحزنا تعلّم الجلوس بأدب في الزوايا،
يطوي صوته حين يمرّ الفرح.
وانتظارا صار أطول من الطريق نفسه،
وأكثر معرفةً بمعنى التأجيل.
الزبائن كُثُر، وجوههم مألوفة
كأنهم يشبهونني في زمنٍ ما،
لكن القليل فقط يعرف الثمن الحقيقي:
أن تأخذ الذكرى
يعني أن تحمل معها ما لم يحدث أيضا،
ما كان قريبا ثم قرّر الغياب،
وما وُعِدنا به ولم يأتِ.
أحيانا أشتري من نفسي ما أعرضه،
أساومني، أتظاهر بالقسوة، ثم أضعف.
أخسر، وأربح خسارتي من جديد،
وأكتشف أن بعض الذكريات لا تُباع
إلا لمن خسر مثلها.
وفي آخر الليل، حين يهدأ السوق،
وتعود الرفوف خفيفةً وثقيلة في آن،
أغلق دكاني،
أطفئ قلبي نصف إطفاءة،
وأكتشف أنني السلعة الوحيدة
التي لم يساومني عليها أحد،
ولا أعرف
هل هذا لأنني بلا قيمة،
أم لأنني
آخر ما تبقّى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى