
في خرائط الليل، لا تُترك المساحات بيضاء طويلاً.
كل نقطة فراغ تستدعي ظلاً، وكل ظلٍ يستدعي تاريخاً لم يُكتب بعد.
الجبال تتحرك ببطء لتسد الثغرات، والأنهار تغيّر مجاريها كي لا يبقى في الجسد شقٌّ بلا حكاية.
الفراغات في الجغرافية تشبه صمتاً مرتاباً؛ سرعان ما تنبت فيه مدن من الهمس، وطرقات مرسومة بأقدام من لم يولدوا بعد.
الريح تمرّ، فتترك خلفها إشارات غامضة، كأنها تقول: «هنا سيُبنى شيء ما… أو سيُنسى شيءٌ آخر».
الفراغ لا يعيش طويلاً، إنه فجوة جائعة، تمضغ حدودها حتى تمتد، ثم تبتلع من يتردد عندها.
الجغرافية لا تقبل الفراغ لأنها تعرف أن الفراغ أول الكذبات وآخرها، وأن كل مساحة صامتة، عاجلاً أو آجلاً، ستنطق بلغة مجهولة.
كأن الخرائط تحلم بالامتلاء،
وكأن الأرض تخاف من الفراغ كما يخاف القلب من السكون الأخير