رؤي ومقالات

رشاد حامد يكتب :لماذا نجح “بتروشيو المصري” وفشل “الواعظ الأوروبي”؟

في مسرحية ترويض النمرة لشكسبير، لا يعتمد بتروشيو على القوة أو العنف لترويض زوجته كاثرين، بل يستخدم الاحتواء الذكي والمراوغة وقلب الأدوار. فهو يمتص غضبها ببرود، ويجعلها في النهاية تصل إلى ما يريد من باب القناعة لا الإذعان.
هذا المشهد الشكسبيري يشبه إلى حد كبير المشهد الدبلوماسي الذي لعبته مصر مؤخراً، حيث واجهت الإدارة الأمريكية باندفاعها ليس عبر المواجهة المباشرة كما فعلت أوروبا، بل بأسلوب هادئ ومرن وعملي.
ترامب في دور كاثرين:
مثل كاثرين الثائرة، ظهر ترامب في دافوس بأسلوب حاد ومباشر.
– شخصية صدامية لا تتسامح مع من يعترض رؤيتها.
– يرى الخطاب الأوروبي القائم على القانون الدولي خطاباً وعظياً لا يعترف بديناميكيات القوة.
– يتعامل مع أي اعتراض باعتباره تحدياً لسلطته أو انتقاصاً من مكانته.
لذلك كانت النتيجة الطبيعية أن تصطدم أوروبا به وأن تدفع ثمن هذا الصدام على شكل:
– رسوم جمركية جديدة
– هجمات لفظية
– تراجع في مستوى التأثير
السيسي في دور بتروشيو:
بينما اختارت أوروبا مواجهة النمرة، تعاملت مصر بطريقة مختلفة تماماً، أقرب إلى مدرسة بتروشيو، وهي الترويض عبر الاحتواء.
– الامتصاص بدل الصدام، فعندما طرح ترامب أفكاراً حادة بشأن غزة من السيادة الأمريكية إلى سيناريوهات التهجير، جاء الرد المصري هادئاً، حاسماً، دون ضجيج، رفض واضح… ولكن بلا معارك إعلامية.
– مخاطبة “الأنا” بذكاء
كما كان بتروشيو يمدح كاثرين وقت غضبها،
أشاد الرئيس السيسي بـ “قيادة ترامب للسلام”، مما جعل ترامب يشعر بأنه القائد المُقدَّر لا المُستفَز.
فالمديح عند ترامب ليس مجاملة… بل مفتاح للتأثير.
– قلب الطاولة دون صدام، تماماً كما أقنع بتروشيو كاثرين بأن الشمس قمر، أقنعت مصر ترامب بأن استقرار غزة وفق الرؤية المصرية هو نجاح شخصي له، فانتقل من طرح سيناريوهات ضاغطة إلى تبني موقف مصر والإشادة به.
لغة ترامب تكشف الفارق: هجومية مع أوروبا… ودودة مع مصر
مع أوروبا، عندما سُئل عن رفض الأوروبيين لخطته بشأن غرينلاند، انفجر قائلاً:
– يتحدثون عن القانون الدولي وكأنه كتاب مقدس.
– يعيشون تحت مظلتي الأمنية.
– قرار برسوم 10% على من يعرقل أمن أمريكا القومي.
مع مصر، وعندما جاء الحديث عن غزة وسد النهضة، تغيرت النبرة تماماً:
– صديقي الرئيس السيسي رجل رائع وقوي جداً.
– يقوم بعمل مذهل في مجلس السلام.
– سأتدخل شخصياً لضمان حقوق مصر المائية بالكامل.
الفارق بين الخطابين يكشف كل شيء:
من “التأديب الجمركي” إلى “الالتزام الشخصي بالدفاع عن مصالح مصر”.
الخلاصة
الدبلوماسية المصرية أدركت أن ترامب لا يتجاوب مع لغة القانون، بل مع لغة التقدير والمصلحة المباشرة.
لذلك، بينما تلقت أوروبا “خدوش النمرة”، نجحت مصر في ترويض الاندفاع الأمريكي وتحويله من تهديد محتمل إلى رافعة لمصالحها.
لقد خرجت مصر من المعركة ليس فقط محافظة على موقفها، بل بجعل “النمرة” نفسها تتبنى وجهة نظرها وتدافع عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى