كتاب وشعراء

الأمثالُ الشَّعبيَّةُ وَمَنْ يتمثلونَ بها في المُجتمعِ المِصرِيّ …بقلم محمد عبد اللاه أحمد

السلام عليكم
ومن الملاحظ أن كلَّ الناس في كل المجتمعات الإنسانية والبيئات الجغرافية المختلفة يتمثلون بالأمثال الشعبية في كل المواقف , ويذكرونها في كل الأحوال ، بل نراها جاريةً على ألسنتهم في كل الأمور ، وذلك إذا وجدوا أنفسهم – في لحظةٍ ما – في حاجةٍ إلى دعمٍ معنويِّ يؤكدُ قولَهم ويقويه ؛ حيثُ نجدُ الأمثالَ تمتلكُ ذلك الدعمَ ، ولا تبخلُ به عليهم ، فتنطلقُ إليهم داعمةً لهم ، واقفةً معهم دونَ ترددٍ أو تلعثم ، ثم تنتصرُ لهم راضيةً مرضية .
– ومن الملاحظ أيضًا أن الذين يتمثلون بها في القرية أكثرُ من الذين يتمثلون بها في المدينة , وأن النساءَ في المُجتَمعَيْنِ أكثرُ استخدامًا لها من الرجال , واللائي تقدمت بهن السنون أكثرُ من غيرهن في هذا المجال .
– ذلك لأن أهلَ المدينة عندهم ما عندهم من الفنون الشعبية التي تشبع رغباتهم الفنية ، وتكفيهم عن غيرها : كالغناء والموسيقى ، والتمثيل ، والمسرح ، والنحت ، والتصوير ، والرسم ، وغير ذلك مما يجعلُ استخدامَهم للأمثال الشعبية – إن حدث – ليس مقصودًا لذاته ، وإنما هو على سبيل الاستشهاد فقط ، أو لترصيع الكلام لا غير .
– أما أهل القرية فلم يكن لديهم من الفنون الشعبية إلا القليلُ من أنواعها الكثيرة كالإنشاد الديني ، والموَّال ، والعَدِّيد ، والغناء الشعبي ؛ مما جعل الأمثالَ الشعبيةَ فنَّهم الأكبرَ والأكثرَ شيوعًا بينهم في كل مكان ، وقد ارتبطت الأمثال الشعبية ارتباطًا وثيقًا بعاداتهم ، وتقاليدهم ، وأعرافهم ، وأفكارهم ، وصفاتهم الإنسانية ، وأنشطتهم المختلفة ، وأعمالهم في الزراعة , وأدواتها ، ومواسمها , وكيفية رعايتها ، وحصادها ، وتخزين منتجاتها ، وتسويقها حتى أصبحت صورةً حيةً لهم , ومرآةً صادقةً لحياتهم ، ووسيلةً فعالةً في تعليم أبنائهم وأحفادهم على أيدي آبائهم وأجدادهم ومن سبقهم من ذوي الخبرة والمعرفة ، وقد أصبحت كذلك المؤرخَ الأمينَ المخلصَ لهم على مرِّ السنين ؛ حتى أننا إذا أردنا أن نتعرفَ عليهم ، وعلى كل ما يتعلقُ بهم في عصورِهم السابقةِ واللاحقة قمنا بالذهاب إليها نتجولُ بين حروفِها ، ونتأملُ حركاتِها وسكناتِها ، ونتفقدُ لَبِناتِها وأصواتَها ، ونغوصُ في معانيها ومراميها ، ونتفهمُ أصولَها وفصولَها ، فنفهمُ – عندئذٍ – أحوالَهم وآمالَهم ، ونعرفُ أقوالَهم وأعمالَهم ، ونتبينُ أفراحَهم وأتراحَهم ، ونكتشفُ أسرارَهم وأغوارَهم ؛ حيثُ تأخذُنا هذه الأمثالُ إليهم راغبين ، أو تأتي بهم إلينا طائعين ، نعيشُ معهم وكأننا في زمانهم قاطنون ، أو يعيشون معنا وكأنهم في زماننا مقيمون .
– أما نساءُ القرية – على وجه الخصوص – فإنهُنَّ يعشْنَ فراغًا فنيًّا كبيرًا ، ولم يجدْنَ ما يملأُ ذلك الفراغَ إلا فنُّ العَدِّيد في المآتم والجنازات ، وفنُّ الغناء الشعبيّ في الأفراح والأعراس ، وفنُّ الأمثال الشعبية في حياتهن العامة ؛ فلا يمرُّ عليهن موقفٌ إلا وقد ذكرْنَ فيه – دونَ إعدادٍ مُسبَقٍ – مَثَلًا أو مَثَلَيْنِ أو أكثر .
– ومع مرور السنين وطولها , وكثرة مواقفها وتجاربها وخبراتها تكونُ عجائزُ النساءِ في القرية غالبًا , وفي المدينة أحيانًا قد ادخرْنَ في ذاكراتهن ، واحتفظْنَ في عقولهن بالكثير والكثير من الأمثال الشعبية التي تُعبِّرُ عن ذلك ليكُنَّ بها مصدرًا عظيمًا للحكمة الصادقة ، والموعظة الناطقة ، والرأي الصائب في كل زمان ، وفي كل مكان …
– كذلك الأمرُ إلا قليلًا نرى أشياخَ الرجال في القرية غالبًا ، وفي المدينة أحيانًا ؛ حيث نسمعهم يَمزِجُونَ كلامَهم وحكاياتِهم بالأمثال الشعبية ، يُقنِعُونَ بها محاوريهم ومجادليهم ، ويُثبِتُونَ بها صدقَ كلامهم وآرائهم ، وكأنها أدِلَّةٌ وبراهينُ ليس جميلًا أن يخلو منها حوارٌ هادف ، أو يتخلَّى عنها حديثٌ مفيد .
– لذلك نسمعُ كثيرًا من يقولُ باللغةِ العربيةِ الفُصحَى : قال جَدِّي … ، وقالت جَدَّتِي : … , أو يقول باللهجةِ العامية : على رأي سِيدِي : … ، وعلى رأي سِتِّي : … ، أو سِيدِي قال : … ، وسِتِّي قالت : … , أو يقول : أبويا قال : … ، وأمي قالت : … .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى