رؤي ومقالات

السفير فوزي العشماوي يكتب :السيسي وترمب

لايختلف إثنان علي أن مخاطبة الرئيس ترمب للرئيس السيسي، وتعليقاته بشأن علاقته به ونظرته إليه، سواء كان ذلك في شرم الشيخ أثناء لقاء الرئيسين علي هامش المؤتمر الدولي للسلام في ١٣ اكتوبر الماضي، أو أثناء لقائهما بالأمس علي هامش منتدي دافوس في سويسرا، تعكس جميعها تقديرا خاصا وإحتراما كبيرا من الرئيس ترمب للرئيس السيسي، وأنه يعتبره زعيم كبير وجنرال قوي وصديق مقرب، وأنه برغم الاختلافات القوية بين البلدين خاصة في ملف غزة حينما رفضت مصر خطته لتهجير سكان غزة وتحويلها لريفييرا وصولا لرفض السيسي لزيارة واشنطن مرتين الا ان ترمب لم ينزلق لتوجيه أي إساءة للسيسي أو لمصر كما فعل مرارا وبأريحية كاملة مع قادة دول أخري كثيرة صغيرة وكبيرة علي السواء ..
محبو السيسي يرون ذلك ترجمة لقوة الرئيس وعظمته، وكارهوه يرونها تماهيا سياسيا مصريا مع ترمب وسياساته ..
والحقيقة أن كلا الرأيين يحملان تبسيطا مخلا وإنحيازا عاطفيا، حيث أن السياسة لاتعرف العواطف، فترمب لايحب سوي ترمب، ولكنه بالقطع يحترم الأقوياء، ويميل للحكام المطلقين ويستريح في التعامل معهم، والأهم أنه مهما بدا من جموحه وشططه فإنه يظل مقيدا برؤية الدولة العميقة والمؤسسات الأمريكية الراسخة مهما بدا من خروجه الظاهري عليها، وهذه المؤسسات وتلك الدولة العميقة تدرك جيدا الدور الرئيسي والمحوري الذي تلعبه مصر في المنطقة، إسرائيل ومصر هما ركيزتا السياسات الأمريكية في الشرق الاوسط، الأولي ليست حليف بل هي الإبن المفضل، والثانية شريك لاغني عنه ووجود الأولي مرتبط بها وبإستمرار السلام معها، الأولي قطعة أمريكية متقدمة ومغروسة في قلب الوطن العربي، ومصر رمانة ميزان هذا الوطن، لاسلام ولاحرب بدونها، يمكن تصور سقوط الآخرين، وتوجيه الاهانات لهم، ولكن سقوط مصر لايقل خطورة عن قوتها وتعملقها، إستقلالها ونهضتها خطو داهم، وهزيمتها كما حدث في يونيو ٦٧ يعني إستفزاز مكنون التحدي لديها وصولا لحرب أكتوبر، لذا لابد من الحفاظ علي دور مصر والحرص علي إحترام قيادتها والاهم بقاؤها في هذه المنطقة الرمادية الغامضة، لاطافية تقود ولاغارقة تشد معها الاخرين وفي مقدمتهم إسرائيل، لذا تعامل الغرب دوما مع مصر وقيادتها بإحترام شديد لأنه يعلم أن شعبها يجلد حكامه ولكنه لايقبل البتة أن يوجه لهم الأغراب أي إساءة، وحتي في أشد لحظات الصراع بين امريكا والغرب مع عبد الناصر كان الجميع يحترمه ويعرف قيمته ووزنه وتأثيره، والاعجاب بالسادات بعد مبادرة زيارة القدس إكتسح أمريكا والغرب كالاعصار، ومبارك ظل رمانة الاستقرار في المنطقة لمدة ٣٠ سنة إلي أن وصل حكمه لمرحلة الترهل والشيخوخة وكان تقييم بريطانيا ( عراب الولايات المتحدة ) والمؤسسات الامريكية للوريث الابن سلبيا كونه بنظرهم لايمتلك الكفاءة ولاالكاريزما، والاهم أنه لايملك قبول الجنرالات بالمؤسسة العسكرية المصرية ..
إحترام ترمب للسيسي يتأسس علي إحترامه لمصر ودورها الذي لاغني عنه للسلام والاستقرار ووجود اسرائيل وقبولها في المنطقة ..
وإحترامه للسيسي نابع من كون السيسي في النهاية جنرال مخضرم تلقي تدريبا متقدما في الولايات المتحدة ويمثل رهانا منطقيا للبنتاجون والمؤسسة الامريكية الحاكمة “ establishment “ فضلا عن اللوبي المسيطر ..
الرئيس السيسي من جانيه يعرف كيف يخاطب ترمب ويتعامل معه منذ لقائهما الاول في ولاية ترمب الاولي حين قال السيسي أنه سيكون داعم لصفقة القرن التي يتبناها ترمب وصولا لترحيبه وإشادته في لقائهما الاخير في دافوس بجهود ترمب التي لولاها لما توقف القتال في غزة حسب قوله وترحيب مصر بإنطلاق المجلس العالمي للسلام وإنضمامها اليه
ولكن بالتوازي مع ذلك يتمسك السيسي بهدوء بالثوابت المصرية في رفض التهجير، ورفض تصفية القضية الفلسطينية، والضغط علي إسرائيل، ويرفض دون إستفزاز أن يُستدعي لواشنطن، وبدلا من ذلك يدعو ترمب لاطلاق مبادرته من شرم الشيخ، فيكسب رضا الرجل الطاووس ويسترد الهيبة والاهمية المنطقية للدور المصري الذي لاغني عنه ..
العلاقة بين الرجلين والدولتين قد لاتكون مثالية وبها بالقطع عديد التحديات، ولكنها أيضا تحمل من الامكانيات والفرص والمشتركات مايسمح بخدمة المصالح المصرية وتعظيم الدور المصري والخروج المتدرج من عنق الزجاجة الذي نعايشه اذا أحسنا التعامل مع ترمب وادارته وإستخدمنا الأدوات المناسبة في تحقيق أهداف التنمية والاستقرار والسلام .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى