
ربيت فيما مضى قطة خرساء كانت تلجأ لي كلما جاعت أو أرادت قضاء حاجتها بحركة من رأسها كأن تحرك صحن طعامها أو (تخربش) بيديها باب الغرفة التي كنت أسكنها للخروج
لم تمد قدمها نحوي لتنبيهي أو تتمسح بي لايقاظي بل كانت تقف عند رأسي وتنظر فقط بتركيز لوجهي النائم حتى تشعرني بمراقبتها
فأنهض لتلبية ما تريد
خصوصيتها في التعبير عن نفسها . نظرتها لي وحدي
كل ذلك جعلني أشعر بها كأنها جزء من تكويني .. أصبحت حرة معها في اللغة التي جمعتنا ..
الدائرة التي أغلقت حولي كأني قطة أجبرت على الصمت لتخمش فيما بعد معنى الحرية الزائف
جعلت للحروب شكلا مخالفا لدى عن الرؤية السائدة ..
يراني البعض غير موالية لفكرة المقاومة في البلاد الممنوعة من الكلام .. وآخرين يشككون في نزاهتي الوطنية .. وقد أكون خائنة هكذا قالت لي صديقة تشرب الكابتشينو أمام شاشة التلفاز تشاهد أخبار الموت وتبكي( بنزاهة )عالية
أحاول أن أحكي دون أن أمد يدي أو أن أتمسح بأحد لأعبر عن رأيي فقط أعلن عن احتياجاتي بوضوح وثبات في النظرة وأبقى أنا ، دون أن أموء
كأني إذاعة تكونت خلف ساتر ترابي .. الرصاص يظهر جليا في صوتي ولا يخرسني .
اليوم نفد الدقيق لدي و لم يعد هناك ما أصنع به الخبز لأطفالي ..
لا أحد مسؤول عنك ..قد يستضيفك أحدهم أخوك مثلا (معنى الأخوة لا تفسير ثابت له عندي)
ستجلس في بيته (ضيف حرب ) ما يعني أنك تتحمل كافة مسؤولياتك ..إن جعت ستجوع وحدك لن يقسم لك رغيفه .. إن مت ستموت وحدك لن تتسع لك زاويته الآمنة (فيما لو افترضنا أن هناك زاوية آمنة )
وإن بكيت سيراك الجميع جبانا لا تعرف معنى الصمود وسيفرغ لك الجمع مساحة كبيرة للمحاكمة والاتهام
كان علي تدبر أمر الخبز. لا مخابز في المدينة الجائعة ..لا دقيق للبيع إلا في الأسواق السوداء
رغم أن المدينة كلها رمادية اللون بفعل غبار الحرب وليس عليك تمييز لون الأشياء طالما تملك نقودا أو نفوذا
.وأنا لا أملك أيا منهما وليس لدي وسيلة لاضاءة غرفتي والتخلص من سوادها
بادر محمود ابني في اقتراح متهور كعادته ..
: سأذهب لمخازن (الوكالة )
الأونروا يقصد
: بس لو حد مسكك حتنضرب ويمكن يصير طخ (اطلاق نار)
: يعني نموت جوع ؟
:ها تموت طخ ؟
خرج محمود ومصعب دون أن يتركا لي مجال للاعتراض
لم يكن لدي خيار آخر
لم أجلس للحظة ..كنت أمشي ذهابا وايابا في ممر مترين( حصتي من الغرفة المنكوبة ) ..كذئب ألجمته القضبان
أسمع قصف الطائرات وانهيار البيوت .. اطلاق الرصاص يترك ثقوبا في عقلي المنتصب أمام كل صوت يأتي من اتجاه الشمال حيث ذهب أطفالي للحصول على كيس دقيق من المخازن المحظورة على عامة الشعب الجائع
ثلاث ساعات وأنا على تلك الحال ..قصفت المدن داخلي ولم يكن لي حيلة للركض خارج نفسي لانقاذها
دفع مصعب أولا باب الغرفة وعلى كتفه كيس دقيق كانت ملامح الفرحة في ملامحه تقول أنه فتح القسطنطينية وجاء لي بعنقود عنب من الجنة
قال قبل أن أستطيع مساعدته على إنزال كيس الدقيق عن كتفه
: تصوري دخلت المخازن وجبت كيس طحين ولسة محتفظ )بشبشبي )
ضحكت بصوت عال وقتها لأني أعرف معنى أن يفقد )الشبشب ) في وقت لا يوجد فيه (شبشب) واحد في المدينة كلها معروض للبيع
اضاف : طخوا جنب راسي بس ما تخليت عن الشبشب عشان اقدر اشرد بالكيس… مهو يا اطلع بالشبشب والكيس يا بديش اطلع
وسط ضحكاتي تنبهت أن محمود لم يدخل خلفه
: وين محمود
: هو لسة مجاش ؟ طلع قبلي من المخزن وكان يحاول يساعد جارنا ياخد كيس لبيته
عاد الرصاص ليدوي داخل رأسي بكثافة أكبر
هل أصيب ؟..هل قصف المكان ؟..هل عوقب لأنه أخذ كيس دقيق لسد جوعنا ؟
ساعة أخرى يحاول فيها مصعب اقناعي أنه محمود تأخر لأسباب أخرى غير ما أفكر به
ثم جاءت الهدنة ..دخل محمود وهو يحمل كيسين من الدقيق على كتفه المائل
خوفي جعلني أطلق كل الرصاص الذي تراكم داخل عقلي نحوه
حتى أني نسيت أن أساعده في إنزال الأكياس التي تجعله يقف مائلا
ربما هي رعونة الأمومة والرعب الذي يتحكم في عضلة لسانك الآن يجعلان الحب يخرج على صورة سباب ولعنات
صدم محمود من رد فعلي وبدأ هو الآخر في السباب لأنه خاطر بنفسه من أجل أن يحصل على الدقيق حتى لا نجوع
كشف لي عن ظهره الذي تظهر عليه خطوط الضرب الزرقاء والحمراء نتيجة استماتته في الحصول على كيس الدقيق
كان خوفي أشد قسوة عليه من تلك الجروح الدامية في جسده
كان الجلد أقرب لدي من العناق
لم يكن يعرف أني أردت أن أحتصنه طويلا لأطمئن وأعبر عن شكري
ولكني لم أتعلم أبدأ ترجمة خوفي إلا بتلك الطريقة
لم يعلمني أحد لغة العناق من قبل ..القتال حتى في الحب هو اللغة التي حفظتها غيبا
بعد مرور ساعة من تلك الحرب الصغيرة صنعت الكثير من الخبز على النار ..كان شهيا يشبه ملامح محمود عندما يبتسم
انتقيت له أفضل رغيف وقدمته مع كوب من الشاي ..وهذه رفاهية تعادل وجبة غذاء فاخرة في مطعم في البلاد المدللة النادل فيه يلبس ربطة عنق تغطي حلقه كاملا
تحتاج أن تأكل شيئا ساخنا من وقت لآخر حتى لا تنسى صوتك وتبدأ في المواء