
ربما لا يعلم الكثيرون أن اليونسكو اختارت أفضل موسيقي في العالم من مصر، ليُوضع اسمه إلى جوار بيتهوفن وموتسارت، والغريب أنه اعتذر عن عدم الذهاب بنفسه لتسلم الجائزة حتى لا يرافق الشخص الوحيد من بلده والبلدان العربية كلها الذي اعترض على ترشيحه لها! لقد كان بلدياتي بلبل المنصورة -كما كان يُسمى في شبابه- من أكثر الناس اعتزازًا بنفسه، وبموسيقاه الشرقية الأصيلة التي دَرَسها ودرَّسها في معهد الموسيقى، وكان مدافعًا شرسًا عنها وعن مقاماتها الثرية، كما كان عنيدًا لا يقبل أن يغير مخلوق نغمة واحدة في موسيقاه. فرياض السنباطي إنسان من كوكب آخر غير كوكبنا، جعل الموسيقى الشرقية تتنفس وتتكلم وتُسبِّح، وكانت كل أدواتها عجينة لينة في يديه يشكلها كما يشاء.
عشت أيامًا مع أروع كتاب كُتب عن سيرته الشخصية، فكاتبته غاصت في أعماق أعماق هذه الشخصية الفريدة والمنطوية على نفسها، وكأنها بحار يخرج اللؤلؤ من أصداف المحيط العميقة. سوزان الفقي ليست كاتبة محترفة، ولكنها -في رأيي- أفضل من معظم محترفي الكتابة! وهي كاتبة بالمصادفة لأن القدر جعلها زوجة للطيار محمد رياض السنباطي حتى تستطيع بحرفية وحب أن تنقل لنا قصة حياة هذا العبقري، الذي لولاها ما عرفناها، فهو إنسان رقيق وخجول، وفي غاية الأدب، ولكنه في موسيقاه جبار، يبتعد آلاف الأميال عن أقرب منافسيه، ولا يشعر بمن يلهثون خلفه، ولا يهمه أمرهم، فمن هذا الذي يستطيع أن ينافس السنباطي؟ وبصفته إنسانًا فإنه يعيش منعزلًا في صومعته بلا دعاية، أو حوارات، أو إعلام، وبنظام صارم لا يقطع حبل إبداعه، ويكفينا الآن أن نقول هذه الأغنية من شدو أم كلثوم، ومن تلحين رياض السنباطي، لتكون علامة الجودة في كل شيء، و”الأطلال” مثال ذلك.
والسنباطي من أوائل مَن لحنوا الشعر العربي الرصين لأمير الشعراء أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأحمد رامي، وأبي فراس الحمداني، وعمر الخيام، وإبراهيم ناجي، وعبد الفتاح مصطفى، ومحمد إقبال، وعبد الله الفيصل، وغيرهم. جلس السنباطي مع سوزان -التي كانت تعشق وتحفظ كل أغانيه قبل أن تتزوج ابنه- يوميًّا ولعدة شهور؛ ليحكي لها بالتفصيل قصة كفاحه، وقصة حبه، وقصصًا أخرى لا تخطر على البال، صاغتها سوزان برومانسية شديدة، وصدق مذهل تعجز أن تصفه. لم يكن غرض السنباطي أن يقرأ قصته الملايين من عشاق موسيقاه، فلو كان يعرف ذلك ما تكلم كلمة واحدة، ولكنه كان يخصها بقصة حياته حتى تحكيها لأحفاده.
فلأول مرة أعرف أن فريد الأطرش تتلمذ في عزف العود على يديه، ودهشت من تعليقه على سؤال عبد الوهاب له عن ألحانه لأم كلثوم حين قال: ألحان خفيفة ومش بطالة! وأنه أول من طلب من أم كلثوم توسيع تختها وضم آلات جديدة، وأنه أول من وظّف الآلات الغربية لتعزف موسيقانا الشرقية. ومن أروع ما في الكتاب قصص الشد والجذب المستمرة مع كوكب الشرق، التي كانت تصل إلى الهجر، وحوارتهما بشأن كل قصيدة غنتها له، فكلاهما يسمو بفن الآخر، ولا يستغني عنه، ولكنّ كليهما عنيد لا يمكن أن يلين أو يتنازل بسهولة، ولكن الأهم أن كليهما تعاهد على رفع ذوق المستمع المصري للكلمة واللحن اللذين يقدمانه معًا؛ لذا لم يكن غريبًا أن يقول السنباطي كيف لأم كلثوم التي غنت روائع الشعر أن تغني كلمات مثل “ياللي ظلمتوا الحب وقلتوا عليه مش عارف إيه؟”.
والكتاب يذكر بالتفصيل علاقة السنباطي بالموسيقار عبد الوهاب، الذي عرف منذ صغره كيف يسوّق نفسه، رغم اقتباسه المعروف لموسيقى الغير، وابتعاده عن أسس الموسيقى الشرقية، وهما السببان في فشل ترشحه للجائزة العالمية التي فاز بها السنباطي، فالسنباطي لم يقتبس لحنًا واحدًا في حياته، وعاش ومات مكافحًا من أجل رفعة الموسيقى الشرقية التي آمن بثرائها. والسنباطي كان لا يخشى في الحق لومة لائم، فاصطدم في شبابه برئيس الوزراء إسماعيل صدقي في أوج جبروته، ولم يذهب لتسلُّم أعلى الأوسمة المصرية بعد الثورة لاعتراضه على طريقة إبلاغه بها، فأرسلها إليه عبد الناصر -الذي كان يعشق موسيقاه- حتى باب بيته.
والسنباطي مصري وطني حتى النخاع، حتى إنه تطوع للدفاع عن الوطن، بيده، وبألحانه الوطنية الخالدة. الكتاب لا تشبع منه، ويأسرك بشاعريته وصدقه من أول صفحة حتى آخر صفحة، فسوزان تثبت أن الكتابة بحب أفضل مليون مرة من الكتابة بحرفية. أتمنى من كل قلبي أن أرى هذه السيرة الذاتية العطرة لهذا العملاق في فيلم ضخم تموله الدولة تخليدًا لفنه، فهو الذي يستحق. وأدعو كل من يعشق موسيقى السنباطي، وصوت أم كلثوم، ويطرب لموسيقانا الشرقية الأصيلة، أن يستمتع بهذا الكتاب كما استمتعت.