
تشريح ساخر لانهيار الأخلاق العامة في زمن الشدّة
في أزمنة الرخاء يتشابه الناس، وتختفي الفروق بين الشجاعة والانتهازية، وبين الموقف والمصلحة.
أما في أوقات الشدّة، فالأقنعة لا تصمد طويلًا. هنا تُعرف الرجال، لا بالألقاب ولا بالخطابات، بل بالفعل الصريح: هل تقف مع المظلوم أم تبحث أولًا عن اسمه وهويته قبل أن تقرر؟
ما نعيشه اليوم ليس خلافًا سياسيًا، ولا اصطفافًا أيديولوجيًا طبيعيًا، بل حالة انهيار أخلاقي جماعي، حيث تحوّل التضامن من قيمة إنسانية مطلقة إلى سلعة مشروطة، تخضع للفحص الأمني والاجتماعي والمناطقي والسلالي.
كتالوج المظلومين… من يستحق ومن لا يستحق
لدينا اليوم كتالوج واضح، غير مكتوب لكنه محفوظ عن ظهر قلب:
المظلوم؟ انتظر… ما اسمه؟
إن كان الاسم “غير مريح”، فالظلم مبرَّر أو على الأقل “قابل للنقاش”.
إن كان يحمل لقب “هاشمي”، فالتهمة جاهزة: لا تتضامن، اسكت، أو شارك في التخوين.
وإن تجرأت ووقفت مع أي إنسان مقهور، فالحكم يصدر فورًا دون محاكمة: أنت حوثي.
هكذا ببساطة.
لا حاجة للأدلة، لا للسياق، لا للجريمة نفسها.
الهوية صارت أهم من الحقيقة، واللقب أخطر من الرصاصة.
حين تتحول الأخلاق إلى موقف سياسي مؤقت
الأخلاق، في هذا المشهد العبثي، لم تعد مبدأ، بل موقفًا سياسيًا مؤقتًا، يتغير بتغير الرياح.
العدل يُستخدم عندما يخدم السردية، ويُدان عندما يفضحها.
والتضامن لم يعد انحيازًا للإنسان، بل اختبار ولاء للمعسكر.
الساخر في الأمر أن من يرفعون راية “الدولة” و”القانون” هم أول من يدوسون عليهما عندما لا يناسبهم اسم الضحية.
يتحدثون عن الحقوق وهم يمارسون أبشع أشكال الإقصاء الأخلاقي.
يصرخون ضد الظلم، لكن بشرط أن يكون الظلم “مناسبًا سياسيًا”.
التخوين: أداة العاجز المفضلة
حين تعجز عن مواجهة الحقيقة، تخوّن من يقولها.
وحين لا تملك مشروعًا، تصرخ في وجه من يملك موقفًا.
التخوين هنا ليس دفاعًا عن قضية، بل وسيلة نفسية للهروب من العجز.
ولهذا نسمع جملة تتكرر بلا خجل:
“الحوثي قهركم”.
هذه الجملة لا تمدح الحوثي، بل تفضح الآخرين.
تفضح هشاشة الخطاب، وفراغ المشروع، واعتماد البعض على انتظار نصرٍ لن يصنعوه، بل ينتظرون أن يُهدى لهم في بيان أو تفاهم أو قرار من الخصم نفسه.
نصر مؤجَّل وأخلاق معلّقة
المأساة أن كثيرين يعيشون على وهم انتصارٍ قادم، بينما هم عاجزون حتى عن الانتصار لأبسط قيمة: العدل.
ينتظرون سقوط خصمهم، لكنهم سقطوا قبله أخلاقيًا.
يتحدثون عن المستقبل، وهم عاجزون عن الوقوف في الحاضر.
الهروب يسمّى حكمة.
الصمت يسمّى واقعية.
والتنازل عن المظلوم يسمّى “وعي سياسي”.
أما من يصرّ على أن الظلم ظلم، أيًا كان اسم الضحية، فيُعاقَب اجتماعيًا، ويُقصى، ويُصنَّف، لأنه يذكّرهم بما فقدوه: الحد الأدنى من الشرف العام.
لسنا مع هذا الطرف ولا ذاك
هذا النص ليس دفاعًا عن جماعة، ولا تبريرًا لمشروع، ولا تلميعًا لسلطة.
هو إدانة صريحة لمن قايضوا العدالة بالهوية، والإنسان بالسياسة، والضمير بالحسابات.
فالعدل لا يتجزأ.
والكرامة لا تُفلتر.
ومن لا يستطيع أن يتضامن مع مظلوم لأنه لا يحب اسمه، فلن يبني وطنًا، بل سيبني سجنًا أخلاقيًا كبيرًا… ويسكنه طوعًا.
الخلاصة
في زمن الشدّة، لا يُسأل: مع من أنت؟
بل: هل ما زلت إنسانًا؟
ومن سقط في هذا الامتحان، لا يحق له الحديث عن دولة، ولا عن وطن، ولا عن مستقبل.
لأن الأوطان لا تُبنى بالهروب، ولا بالتخوين، ولا بانتظار قرار الخصم…
بل بموقف واضح، حين يكون الموقف مكلفًا.