رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : كسر الحلقة المفرغة

مفارقة غريبة ان يعاني نظام راسمالي حداثي من مشكلة الرئيس المتفرد وتعاني البلدان غير الديمقراطية سواء السلالية او الانقلابية او التي جاءت بعد حرب من مشكلة قيادة الرجل الواحد.
قد تبدو ظاهراً مفارقة غريبة لكنها في الجوهر تكشف بنية السلطة في النظام السياسي . رغم اختلاف مشكلة الرئيس في النظام الرأسمالي الذي يأتي من خلال مؤسسات وتقاليد ومحاكم لكن تغول السلطة يمنح الرئيس صلاحيات استثنائية يخلق ظروفها وصار في امكان الرئيس مخاطبة الجمهور من خارج وسائل الاعلام التقليدية بل من خلال تكنولوجيا مواقع التواصل.
في كل الأحوال يكون الرئيس الرأسمالي واجهة طبقة ومصالح شركات يحرص الرئيس على خدمتها وهو وان كان في الظاهر يتخذ قرارات فردية لكنها مدروسة وتخدم مصالح الدولة العميقة.
أما مشكلة الرجل الواحد التاريخية ـــــــــــــ لا حضور للمرأة هنا ــــــــــــــــ تأخذ طابعاً مختلفاً رغم حصول التفرد في النظامين. لا وجود لمؤسسات ديمقراطية حقيقية بل واجهات سياسية أو حزبية أو قبلية أو خلطة من كل ذلك يتولى الزعيم او القائد أو الرئيس بناء مؤسسات على مقاسه ومصالحه ومصالح الفئة الضيقة حوله من أقارب وحلفاء وتتحول السلطة من سياسة الى زبائن او سلطة زبائنية. أي أن الولاء للزعيم كولاء الزبون لمتجر أو سوق كبير مبني على المصلحة لا على الايمان بمبادئ.
لا يحتاج الرئيس الرأسمالي أن يكون رمزاً لأن الرمزية لا تتأسس في نظم ديمقراطية لكن القائد الرمز أو الرمزية تتأسس في الدول غير الديمقراطية أو الخارجة تواً من نظم دكتاتورية حولت المؤسسات والعقول الى صحراء. لكن قد تبدو هذه” الرمزية” في الظاهر أيضاً كولاء وإيمان بالزعيم لكن هو مظهر خادع لان خلف هذه الولاءات مصالح ومكاسب وما لم يتم الحصول عليها، يتغير الولاء والتحالفات سريعاً.
المشكلة في النظم غير الديمقراطية هو الاقتصاد الريعي ــــــــــــ النفط ــــــــ وليس على موارد كثيرة مختلفة ومن يسيطر على الهرم المالي يسيطر على رقاب الجميع حلفاء وأعداء أو فئات غير مصنفة ومن هنا تُخلق” بيئة الدكتاتور” حيث تتحول الحقوق الى مكرمات وصدقات وهدايا الزعيم الملهم وكرمه وغالبا ما تكون مسدسات.
تستطيع النظم الرأسمالية تجاوز أزماتها عن طريق آليات التصحيح الذاتي من داخل المؤسسات مما جعل النظم الرأسمالية مستمرة لأنها تلجأ للعلم لحل مشاكلها عكس النظم الشمولية وغير الديمقراطية التي تلجأ للعنف والقسوة في حل مشاكلها مما يفاقمها ومع الزمن تنفجر كل الممنوعات دفعة واحدة تحت ظروف طارئة مفجرة للعفن.
لكن المشكلة لا تنتهي هنا بموت أو مقتل أو اقصاء الزعيم القائد وأمل الجماهير كما في الخطاب السائد، لأنها ستعيد انتاجه بصورة أخرى لأن البنية العقلية السياسية والبنية الاجتماعية المنتجة للزعيم الأول منتجة للثاني والثالث والعاشر وهؤلاء سلالة طغاة.
مرونة المؤسسات في النظم الرأسمالية تخفف وفي حالات تعرقل من تفرد وتغول الرئيس ــــــــــ قضاء مستقل، بنك مركزي، صحافة حرة، مجتمع مدني ـــــــــــــ تعمل دور كوابح للزعيم.
عندما تنتهي فترة الرئيس الرأسمالي يذهب الى البيت الريفي المنعزل وسط طقوس احتفالية عكس الزعيم الملهم الذي إما يتم البحث عنه تحت الانقاض من قصف الانقلابيين أو يتمكن من الفرار في اللحظة الأخيرة وهو يرتدي ملابسه في الطريق الى المطار ومن النادر حتى عام 2003 خرج رئيس عراقي من السلطة محترماً : إما الى الاعدام ــــــــــ حالة الزعيم عبد الكريم قاسم ـــــــــ أو المنفى ـــــــــــ حالة الرئيس عبد الرحمن عارف ، أو المشنقة حالة صدام حسين. الحال ليس أفضل في دول عربية أخرى.
النظام الرأسمالي يرمم نفسه في نهاية فترة الرئيس المتغول ويعيد الهيبة للمؤسسات لان القواعد والاهداف ثابتة وتتغير الاشكال ، لكن في الدول غير الديمقراطية لا تبحث عن مؤسسات في حال ذهاب الزعيم بل تبحث عن زعيم “قوي وشريف ونزيه” وهذا هو المستحيل لأن هذا الزعيم يحتاج الى بيئة شريفة ونزيهة وثقافة متينة ومؤسسات حامية وحارسة من الاستبداد،
كما ان النظام السياسي لا تحكمه الاخلاق في مجتمع متنوع الفئات والطبقات والمصالح والاعراق والطوائف والثقافات وكل طرف يفسر الاخلاق من زاويته بل يحكمه القانون. السياسة والشرف أمران متناقضان.
بهذه الطريقة يعاد انتاج الاستبداد الذي يبحث عن شرعية او مرجعية سياسية او دينية في حين النظام الرأسمالي مرجعيته الوحيدة السوق.
في حال تعرض الزعيم في دولة غير ديمقراطية سوى في القشور السطحية كما يفهم العامة الديمقراطية كحق في الصراخ مع غياب كل مقومات العدالة، الى مشكلة تهدد وجوده في السلطة، يشمل التهديد طبقة كاملة من زبائنه وحواشيه واتباعه وحتى الحلفاء في الداخل والخارج ولا تهدد الأزمة ثروتهم المسروقة بل حياتهم أمام محاكم في يوم ما لذلك يعيش هؤلاء في رعب الايام القادمة عكس ما يتخيل الناس في ان هؤلاء سعداء.
يخطئ من يظن ان الزعيم في السلطة او في خارجها في الدول المصحرة يعشق السياسة والسلطة خاصة بعد أن بنى امبراطورية مالية لا حدود لها، لكن تمسك الزعيم بالسلطة وكرهه الشديد العميق الداخلي لها لأنها ستكون درع وقاية وحماية من الحساب يوم تنقلب الاوضاع وما أسرع ما تنقلب في دولنا. من يأتي من بعده لن يجد شيئا حتى الخزينة فارغة . اسألوا حيدر العبادي اذا وجد ديناراً في الخزينة؟ تم افراغها تماماً مما يمنع تراكم خبرات وثروات.
من هنا خوف الزعيم من الفشل في السلطة أو في الخروج منها وليس أمامه غير خيار واحد هو تشكيل حكومة ظل خلف الزعيم الجديد الدمية، أي ان النظام نفسه لم يتغير بل تغيرت الوجوه . إنه نظام معطوب كقطار عاطل كلما تحرك يعطي النتائج الكارثية نفسها.
هذه الحلقة المفرغة من المستحيل أن تُكسر من داخل نظام مغلق يتداول السلطة بين قوى محددة بل تُكسر من خارج الحلقة ومن قوى محلية وطنية غائبة ومغيبة، الآن، أو جيل مختلف في المستقبل لا يملك ذاكرة جريحة وعقد الثأر والانتقام والتشفي وهو حلم بعيد المنال، لذلك سيكون كسر الحلقة المفرغة من خارج البلاد بتدخل سياسي أو عسكري يدخل الفوضى وقد يهدم المعبد على رؤوس الجميع لأن المعركة لن تكون خسارة سياسية بل معركة حياة أو موت ونهاية حياة مرفهة والخاسر منها إما الى المقبرة أو السجن أو في انتظار العقاب لذلك سيكون الدفاع عن السلطة انتحارياً وغرائزياً تحت شعارات سياسية مزيفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى