رؤي ومقالات

إدريس آيات يكتب :كيف فشل هجوم نيامي خلال 20 دقيقة وسقطت رواية فرنسا في الميدان؟

في الساعات التي تلت الهجوم التخريبي الذي نفّذته مجموعات من المرتزقة ضد مطار ديوري هماني في العاصمة النيجرية نيامي، خرج ما يمكن تسميتهم ب “صحفيو الإرهاب” في منطقة الساحل، ومعهم حسابات محسوبة على فرنسا وأذرعها، بسيلٍ من الادعاءات الدعائية التي لا تستند إلى أي معطى واقعي. تحدّثوا عن تدمير طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار وأكنجي، ثم بالغوا في الأرقام إلى حدّ الهذيان، وروّجوا لأعداد «مهولة» من الضحايا، في مشهد كلاسيكي للكذب المنهجي والتضليل المتعمّد.
أحد هؤلاء، وقد نصب نفسه مرجعًا إعلاميًا، راح يقدّم أرقامًا متخيلة عمّا دُمّر وأين، ومع كل ساعة يخرج بما يسميه «تحديثًا عن هجوم النيجر»، بينما لا جديد في الأمر سوى تحديث الكذب ذاته. وآخر، تحرّكه ضغينة واضحة تجاه شعوب الساحل، رغم أن أغلب قيادات التنظيمات الإرهابية في المنطقة ينحدرون من بلده، بدأ بالقول إن الهجوم من تنفيذ تنظيم الدولة، ثم عاد لينسبه إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ثم إلى «مرتزقة» بلا توصيف، وكل جهده كان منصبًا على إبعاد أي شبهة عن فرنسا -سيدتهم-، بوصفها الراعي الأعلى لكل هذا العبث. لم يكن المشهد سوى مدعاة للشفقة.
كان يكفي هؤلاء القليل من الجهد المهني، وهم الذين يقدّمون أنفسهم خبراء للقارئ العربي، للاطلاع على صور الأقمار الصناعية قبل الهجوم وبعده – وهي متوفرة للكل ويُمكن الوصول إليها-، والتي تُظهر بوضوح أن حظائر الطائرات المسيّرة بقيت سليمة، وأن طائرات «تي بي 2» كانت ظاهرة في ساحة المطار في الصورتين معًا، دون أي أثر لتدمير أو تعطيل.
كما تُظهر صور إضافية للمطار، قبل الهجوم الليلي وبعده، غموضًا حقيقيًا بشأن الهدف الفعلي للعملية. هل كان المستهدف هو اليورانيوم، يُعرف بالكعكة الصفراء المعدّة للتصدير إلى جهة غير معلومة؟ هذا السيناريو لم يأتِ من فراغ، فقد سبقت الهجوم أسابيع من الإيحاءات الفرنسية التي بدت وكأنها تهيئة تدريجية للرأي العام الدولي لتقبّل مثل هذا الادعاء. ومع ذلك، يجدر التذكير بأن الروايات التي تزعم وجود مخزون خام يوارنيوم شركة «سومير» في المطار، وكذلك الحديث عن قرب بيعه، مصدرها حصريًا مصادر فرنسية واهية، لا تستند إلى أي دليل مستقل.
وعليه، فإن تأطير الهجوم على أنه استهدف اليورانيوم أو الطائرات المسيّرة لا يتجاوز كونه تكهّنات إشكالية، تُستخدم لأغراض سياسية وإعلامية أكثر مما تعكس حقيقة ميدانية.
يُضاف إلى ذلك أن الرئيس عبد الرحمن تشاني كان قد عزز الإجراءات الأمنية والدفاعية في نيامي منذ الأسبوع الماضي، وهو ما دفع بعض القنوات والحسابات إلى السخرية منه ووصفه بالرجل المصاب بـ«هوس الشك والريبة». لكن الواقع أن الرجل كان يمتلك معلومات استخباراتية دقيقة كشفت له تفاصيل الخطة مسبقًا. وهذا وحده يفسّر لماذا لم تتضرر أي طائرة مسيّرة، ولم يسقط أي قتيل في صفوف النيجر، ولا حتى بين المدنيين في محيط الطيران المدني. ما حدث يؤكد أن إعادة ترتيب البنية التحتية والمعدات داخل المطار جرت قبل وصول المرتزقة، استنادًا إلى معرفة دقيقة بتفاصيل الهجوم. وإلا فكيف يمكن تفسير عملية مسلحة بهذا الحجم لا تُسقط حتى طائرًا، فضلًا عن إنسان؟ اللافت أن وعي الشارع النيجري التقط هذه الحقيقة، وبدأ كثيرون يردّدون أن من اتهموا تشاني بالهوس كانوا مخطئين، وأن الرجل كان على صواب.
ما يغيب عن أذهان كثيرين أن الهجوم الإرهابي السابق على مطار في مالي في سبتمبر من العام 2024؛ شكّل درسًا قاسيًا لقيادات دول الساحل، فبُنيت على أساسه منظومة حصانة أمنية تمنع تكرار السيناريو ذاته. هذا ما يفسّر السيطرة الكاملة على الهجوم في غضون عشرين دقيقة فقط. وكما تعلّمت النيجر من التجربة المالية، فإن بوركينا فاسو ستتعلم بدورها من التجربة النيجرية، وربما إذا تكرّر سيناريو مشابه هناك، فلن يحتاج الأمر أكثر من عشر دقائق للسيطرة عليه.
الإرهابيون أُرسلوا إلى خالقهم. وفي المرة المقبلة، بدل أن توظّف فرنسا وأذرعها هؤلاء الفاشلين، ربما يكون من الأجدى أن تقودهم بنفسها. أما نحن فنكررها بهدوء وثقة: لا تقلقوا، فالساحل اليوم في أيدٍ أمينة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى