
النظام السياسي الفاسد صار مثل مستنقع كل من يدخله لا يخرج نظيفاً حتى لو جاء من مكان مختلف بعد أن تحول الى فساد مؤسساتي ومن يدخله إما أن يتكيف معه أو يجد نفسه مطروداً لأن الفساد يرفض ويكره ويحتقر النزاهة في المال والسياسة والثقافة والمجتمع. وجود شخص نظيف في مكان أو علاقة أو مؤسسة فاسدة كوجود زاهد منعزل في نادي العراة.
كثير من الشخصيات والشركات الأجنبية التي دخلت العراق لكنها وقعت في شبكة الفساد المهيكل أو المؤسساتي كمن يدخل الى منجم فحم لا يخرج بلا بقع حتى أن بعض هذه الشركات الاجنبية والأفراد خضعوا الى محاكم في دولهم بسبب منظومة الفساد العراقية التي وقعوا فيها كعمولات أو رشاوى أو غسل أموال.
بالعودة الى سجلات ووثائق هذه الشركات يظهر اسم شركة “يوناويل” Unaoil وكانت تعمل كوسيط إرشاء مسؤولين عراقيين لصالح شركات دولية وخاصة في وزارة النفط وتخضع حاليا للمساءلة القانونية.
شركات كبرى مثل” SBM Offshore الهولندية ، وPetrofac البريطانية، وLeighton Holdings الأسترالية واجهت تحقيقات وغرامات بمئات الملايين بسبب تورط موظفيها في دفع رشاوي داخل العراق” ـــــــــــ مصدر.
” فضيحة “إريكسون” (Ericsson) السويدية التي قدم موظفوها رشاوى ليس الى مسؤولين عراقيين فحسب بل الى داعش لضمان مرور شاحناتهم”
” تم سجن 35 مسؤولاً أو متعهداً أمريكيا بتهم الفساد في العراق” من غير مليارات الدولارات المهربة الى الخارج عن طريق شركات تهريب مالية دولية متخصصة.
على الرغم من عدم تأكيد انهاء مهمةمبعوث الرئيس الأمريكي مارك سافايا الى العراق كمنقذ ومخلص من الفساد، لكن هناك أدلة على الغاء أو تجميد مهمته كإغلاق حساباته الرقمية.
سواء كان الأمر صحيحا أم لا، فإن سافايا وقع في شبكة الفساد والإفساد العراقية من خلال تنظيم مكالمات هاتفية بين الرئيس الأمريكي ومسؤولين عراقيين بملايين الدولارات أو تصريحات مرتبة للرئيس وكان يدير تجارة “الماريجوانا” في ميشيغان. أي تاجر مخدرات نقل تقاليد المهنة الى السياسة والعراق مكان مناسب للفساد.
الخلاصة الفساد المالي والسياسي العراقي الذي جر معه كل أنواع الفساد الأخرى لن يحل بتغيير أشخاص ولو كانوا من أنبل وأشرف وأنزه البشر لأن المشكلة في البيئة والمستنقع في عراق تتحرك فيه” النقود في حقائب وسيارات وطائرات بعيداً عن النظام المصرفي الدولي” كما يقول مصدر.
بدل الاقطاع الزراعي القديم ، ولد الاقطاع المالي الجديد في تحالف بين الاقطاعين القديم والجديد وبين القادة السياسيين وكما امتلك الاقطاعي القديم أرضاً صار الآن يملك وزارةً مع الارض واذا كان العراقي في الاقطاع القديم يعمل في الأرض كأجير هو اليوم يعمل في الحزب أو الجماعة أو التحالف كرفيق أو عضو لكن في علاقة التبعية والعبودية نفسها ولم يتغير سوى العناوين.
كما ان الاقطاع القديم عاد بصورة منقحة ونسخة جديدة وصار شيوخ القبائل أمراء بعد أن كانوا بالأمس رفاقاً واذا انقلبت الاوضاع يوما يعودون رفاقاً.
هذه الدورة من شيخ الى رفيق وبالعكس مستمرة منذ انقلاب الثامن من شباط 1963 حتى اليوم وهذه الطبقة الفراغية التي لا تنتج غير العطب تمد جذورها حالا في أي نظام جديد كالإخطبوط وتعود الى ممارسة تقاليدها وطقوسها وسلطتها.
في مستنقع الفساد يبدو البرئ غبياً، والشاطر ذكياً، واللص داهية، والأمين متخلفاً عن الغنيمة، ـــــــــــــــ ما ساوى ربعه ــــــــــــ والنزيه أبلهاً، والنصاب عبقرياً والخ وهلم جرا: عندما تنقلب المعايير سيكون المجتمع والدولة والسلطة في الطريق الى الانهيار مهما طال الزمن بعد أن تم تفكيك كل الروابط التي تضبط علاقات المجتمع وظهور علاقات قوة وسلطة جديدة كالاستحقاق النضالي ــــــــــــــــ نضال ضد من وكيف؟ ـــــــــــ وعلاقات القرابة والولاء ويصبح المسؤول النزيه جباناً ومن يدخل في مستنقع فساد الثقب الأسود لن يخرج نظيفاً ولو جاء من سلالة زهاد ورهبان منعزلين في الجبال لأن البيئة والرحم والحاضنة للفساد تحولت الى مؤسسات ومصارف وسلاح وقوى وأتباع وحلفاء ولم تعد النزاهة هي معيار المواطنة بل التبعية والارتهان والشطارة.
البحث عن” رجل شريف ونزيه وقوي ” ممكن وموجود في العراق لكنه يحتاج الى طبقة سياسية وبيئة وثقافة واعلام نزيه وشريف وقوى ومستقل ولو دخل هذا الرجل في هذا المستنقع حتى لو كان قادماً من حلقة دراويش أو حكماء أو زهاد، سوف يكتشف ان من الغباء ان يظل نزيهاً وشريفاً في هذا الحفل التنكري من العراة.