
لم يلتقِ نديم وليان في شارعٍ ولا مقهى، بل التقيا في اللغة…
في مساحة افتراضية كانت أصدق من كثير من الأمكنة الحقيقية.
هو كتب لها شعرًا كمن يرمي قلبه في البحر،
وهي ردّت عليه كمن تلتقطه وتعيده حيًا إلى الشاطئ.
حبّهما لم يكن هادئًا…
كان صاخبًا، مشتعلًا بالكلمات، بالغياب، بالغيرة الجميلة، وبالرغبة في الامتلاك دون أن يكسر أحدًا.
نديم لم يكن فقيرًا، لكنه لم يعد غنيًا كما كان.
كان يومًا رجلًا تفتح له الأبواب، ثم عاد إلى حياة وسط، حيث لا فقر ولا رفاه، فقط مسؤوليات لا تنام.
سبعة أطفال، عملان، بيت يقوم على الواجب أكثر مما يقوم على الحب.
كان عادلًا إلى حدّ موجع… لا يحب أن يظلم، ولا يحب أن يأخذ أكثر مما يستحق، حتى في الحب.
زوجته لم تكن عدوّة في قصته.
لم يكرهها، لكنه لم يحبها.
كان بينهما بيت ومسؤولية، لا شغف ولا دفء.
أما ليان… فكانت له النار والندى معًا.
ليان كانت تبني نفسها بصمت.
امرأة تعرف الضوء، لكنها لا تنتمي إليه بالكامل.
كانت تقول له في إحدى رسائلها:
“لو لم يكن لك سوى كوخ عند آخر العالم، لسكنتُه معك دون تردّد.”
لم تكن تحبه كمن يبحث عن أمان مادي، بل كمن وجد وطنه في رجل.
جرّبت أن تبتعد عنه مرة.
أغلقت الأبواب الافتراضية، قالت لنفسها: كفى.
لكن الليل كان أقسى من قرارها.
كانت تمسك الهاتف ثم تتركه، تبكي ثم تكتب، تمحو ثم تعود.
اكتشفت متأخرة أن بعض الناس لا يغادرون حياتنا… بل يسكنونها.
حين اندلعت الحرب في لبنان، كانت ليان هناك.
السماء تهتز، الزجاج يرتجف، والمدينة تتنفس خوفًا.
نديم كان يراقب الأخبار كما يراقب نبض قلبه.
يرسل لها الرسائل كمن يضع يده على صدرها عن بُعد:
“طمئنيني… قولي لي أنكِ ما زلتِ هنا.”
في تلك الليالي، صار حنونه أشدّ وضوحًا.
ورث من أمّه قلبًا لا يعرف القسوة في الخطر، ومن أبيه صلابة تخفي الدموع.
كانت تحبه أكثر حين تراه ضعيفًا لأجلها.
مرّت سنتان وأكثر…
حبّهما لم يضعف، بل تغيّر شكله: صار أهدأ، أعمق، أثقل شوقًا.
ثم جاء اليوم الذي انتظراه طويلًا.
مشهد اللقاء
التقيا في مدينة محايدة، لا تشبههما ولا تشبه أحدًا.
وقفت ليان أمام المقهى، ترتجف قليلًا.
لم تكن تعرف إن كان الارتباك من البرد أم من القلب.
رأته من بعيد.
كان يمشي ببطء، كما لو أنّ الأرض أثقل من المعتاد.
حين رفع رأسه، التقت العيون قبل الأجساد.
تجمّد الزمن لحظة… تلك اللحظة التي لا تتكرر.
اقترب منها، ولم يعرف ماذا يقول.
هي ابتسمت ابتسامة صغيرة، مرتعشة.
قال بصوت منخفض:
“أنتِ أجمل من كل القصائد.”
فضحكت بخجل، وقالت:
“وأنت أكثر صدقًا من كل الرسائل.”
وقفا صامتين ثوانٍ طويلة.
لم يكن الصمت فراغًا… كان امتلاءً.
ثم مدّ يده بتردد، كمن يخاف أن يوقظ حلمًا.
لمست أصابعه يدها… لمسة خفيفة، لكنها أحرقت المسافة كلها.
جلست معه.
كان ينظر إليها كثيرًا، ثم يشيح بوجهه كطفل مرتبك.
هي كانت تراقب تفاصيله: تجاعيد التعب حول عينيه، ارتعاشة صوته، طريقة يده حين يمسك فنجان القهوة.
قالت فجأة:
“أنت متعب.”
أجابها بابتسامة حزينة:
“لكنني بخير الآن.”
لم يتعانقا في البداية.
تركوا العناق لآخر اللقاء، كمن يؤجل الذروة احترامًا للمشاعر.
وحين وقفا ليفترقا، لم يستطع مقاومة اللحظة.
ضمّها بهدوء، دون ضغط، دون استعجال.
كان عناق رجل يخاف أن يكسر ما يحب.
وكانت هي تبكي بصمت في صدره، كمن عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح.
في تلك الليلة، لم يتخذا قرارات كبيرة.
لم يعلنا انتصارًا ولا هروبًا.
جلسا فقط، وتحدثا عن المستقبل كما يُرسم بيت صغير:
حجرًا فوق حجر،
صدق فوق تعب،
حب فوق خوف.
كتب لها نديم لاحقًا:
“لا أعدكِ بحياة سهلة… أعدكِ بحياة حقيقية.”
فأجابته ليان:
“وأنا لا أريد نهاية سعيدة… أريد طريقًا طويلًا معك.”
وهكذا بدأت الرواية…
لا بنهاية،
بل ببداية تشبه الشوق حين يتحوّل إلى حياة.