رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب :الرقم الصعب… حين تهزمك طائرة مدنية

في اليمن، لم يعد “الرقم الصعب” هو من يملك السلاح الأثقل،
ولا من يرفع الشعارات الأعلى،
بل من يقرر ببساطة: هل تهبط الطائرة أم تعود أدراجها؟
آخر الفصول الكوميدية ــ التراجيدية في مسرح الشرعية، كان خبر منع الحوثي هبوط أول طائرة تجارية لليمنية في مطار المخا. خبر صغير في حجمه، كبير في دلالته، كفيل وحده بإسقاط كل خطابات “السيادة” و“الانتصارات” و“التحرير الشامل” التي أُغرقت بها نشرات الأخبار.
في اللحظة نفسها، كانت الشرعية غارقة حتى الأذنين في احتفالاتها الهلامية:
انتصار على القوات الجنوبية الحكومية،
حلّ للمجلس الانتقالي،
تحرير لحضرموت والمهرة…
تحرير على الورق، وسيادة في البيانات، ودولة في الخيال.
أما في الواقع؟
فالسماء ما تزال مستأجرة،
والمطارات بإذن غيرها،
والقرار السيادي يمر عبر جماعة يفترض – نظريًا – أنها “انقلابية” وليست “دولة”.
اثنا عشر عامًا،
ولم تستطع الشرعية أن تقول للحوثي: هذه سماؤنا.
اثنا عشر عامًا،
ولا تزال طائرة مدنية واحدة قادرة على فضح “الدولة المعترف بها دوليًا” أكثر مما تفعل مئة تقرير أممي.
الشرعية التي لا تملك مطارًا،
ولا تتحكم بميناء،
ولا تحمي أجواءها،
تطالب الناس بتصديق أنها حررت، وحكمت، وانتصرَت!
أي انتصار هذا الذي لا يسمح لطائرة ركاب بالهبوط؟
وأي سيادة تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية لا بعدد المطارات المحررة؟
وأي دولة هذه التي تعجز عن أهم وظائفها: ختم الجواز في مطارها؟
الكوميديا السوداء هنا أن الحوثي، الذي تصفه الشرعية بالميليشيا، يتصرف كدولة فعلية: يمنع، يسمح، يقرر.
بينما الشرعية، التي تصف نفسها بالدولة، تكتفي بالاستنكار، والتبرير، ثم الانتقال إلى فقرة “الإنجازات”.
المضحك المبكي أن الشرعية لا تخجل من الاحتفال بانتصارات داخلية وهمية، بينما تُهزم علنًا في ملف سيادي بحت. كأنها تقول:
نستطيع إسقاط خصومنا في البيانات،
لكننا نعجز عن إسقاط إذن هبوط.
في اليمن اليوم، لم تعد المشكلة في من يسيطر على الأرض فقط،
بل في من أقنع نفسه أن السيادة تُمارس عبر الخطابات،
وأن الدولة تُدار من الفنادق،
وأن الفشل يمكن تغطيته بالتصفيق.
هكذا يصبح الحوثي “الرقم الصعب” ليس بقوته فقط،
بل لأن خصمه اختار أن يكون “الرقم الأسهل”:
دولة بلا سماء،
وسيادة بلا مطار،
وانتصارات لا تستطيع أن تُنزل طائرة واحدة على أرض الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى