رؤي ومقالات

د.فيروز الولي تكتب :حين تصبح الفضيلة قناعًا… وسقوط “حقوق الإنسان” انتقائيًا

ليس أكثر استفزازًا من مشهدٍ أخلاقيٍّ يُدار بازدواجية فجة:

غربٌ يُحاضر العالم عن حقوق الإنسان، ثم تُكشف داخله شبكات استغلال منظمة، تُدار بالمال والنفوذ، وتُدفن ملفاتها تحت عناوين “الانتحار الغامض” و“الأسرار السيادية”.
وفي المقابل، شرقٌ يرفع راية “نحن خير أمة”، لا لأنه تجاوز الجريمة، بل لأنه شرعنها، وعمّمها، وأخرجها من السرّ إلى العلن.
هنا لا نتحدث عن مقارنة بين ملائكة وشياطين، بل عن نموذجين مختلفين للنفاق:
نفاقٌ يخجل من نفسه فيُخفي،
ونفاقٌ واثق لدرجة أنه يُنظّر ويُفتي ويُصوّر ويُطبّع.
نفسيًا: آلية التبرير بدل الاعتراف
المجتمعات التي تعجز عن مواجهة عيوبها، تلجأ إلى آلية دفاع بدائية:
“نحن بخير لأن غيرنا أسوأ”
بدل السؤال:
هل ما نفعله عادل؟ إنساني؟ يحمي الضعفاء؟
يُستبدل السؤال بمرآة مكسورة تُوجَّه دائمًا إلى الخارج.
في الغرب، الفضيحة تدمّر صاحبها (نظريًا على الأقل).
في مجتمعاتنا، الفضيحة تُعاد تسميتها: “سنة”، “نص شرعي”، “خصوصية ثقافية”.
اجتماعيًا وثقافيًا: حين تتحول السلطة إلى وصي على الجسد
في كثير من مجتمعاتنا، لا تُمارَس السيطرة عبر القانون، بل عبر الثقافة المؤدلجة:
جسد المرأة ملف عام
الطفولة مفهوم مرن
والضعف الاجتماعي فرصة لا مسؤولية
الاستغلال لا يحتاج إلى جزيرة نائية ولا شبكة سرية،
يكفي نظام اجتماعي يبرر، وإعلام يصفق، ومؤسسة دينية تصمت أو تُجمّل.
سياسيًا وأمنيًا: الأخلاق كأداة لا كمبدأ
الأنظمة – شرقًا وغربًا – لا تحب الأخلاق،
تحب استخدامها.
في الغرب:
تُستَخدم حقوق الإنسان للضغط الجيوسياسي، وتُنسى عند الحلفاء.
في عالمنا:
تُستَخدم “الخصوصية الدينية” لحماية بنى اجتماعية تخدم السلطة، وتُخرس أي مساءلة باسم الهوية.
النتيجة؟
الضحية دائمًا بلا دولة، بلا منبر، وبلا حماية حقيقية.
اقتصاديًا ولوجستيًا: من يدفع ثمن الصمت؟
الاستغلال ليس انحرافًا فرديًا، بل سوق:
فقر يُسهّل
جهل يُغطّي
ونظام قانوني عاجز أو متواطئ
حين تغيب الحماية الاجتماعية، يصبح الجسد عملة،
وحين يغيب القانون، تصبح الفتوى بديلاً عن العدالة.
إعلاميًا: فضيحة هناك… واحتفال هنا
إعلام الغرب يفضح ثم ينسى.
إعلامنا يبرّر ثم يحتفل.
هناك تُصاغ التقارير،
وهنا تُصاغ الخطب.
النتيجة واحدة:
الضحية تُستهلَك مرتين—مرة بالفعل، ومرة بالسرد.
قانونيًا ودستوريًا: أين يقف الإنسان؟
القانون الغربي يجرّم الفعل (ولو انتقائيًا).
كثير من قوانيننا تُشرعن الصمت أو تتركه رماديًا.
الدساتير تتحدث عن الكرامة،
لكن التشريعات تُسلّمها للعُرف،
والعُرف يُسلّمها للأقوى.
الخلاصة: لسنا أنظف… نحن فقط أقل خجلًا
لسنا أفضل لأن الجرائم عندنا لا تُسمّى جرائم.
ولسنا أطهر لأن الضحية لا تجد اسمًا لما يحدث لها.
الفرق الحقيقي ليس بين شرق وغرب،
بل بين مجتمع يخاف الفضيحة
ومجتمع يخاف الحقيقة.
وحتى نكفّ عن شكر الله على “نظافتنا” الوهمية،
علينا أولًا أن نسأل السؤال الذي نتهرب منه دائمًا:
من نحمي؟
الإنسان… أم الرواية التي تريح ضميرنا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى